فراس النعسان : عندما يصف ترامب نتنياهو بالمجنون
قبل أيام فقط كان بنيامين نتنياهو يلوّح بتوسيع الحرب في لبنان، فيما كانت واشنطن تحاول منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة أكبر. فجأة خرج دونالد ترامب ليكشف أنه وصف نتنياهو خلال اتصال هاتفي بأنه «مجنون تماماً»، ثم أتبع ذلك بجملة أكثر إثارة: «لولا تدخلي لكنتَ الآن في السجن». بعيداً عن أسلوب ترامب الصدامي المعروف، فإن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في الكلمات نفسها، بل في ما تعكسه من خلاف حقيقي حول إدارة المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. فواشنطن وتل أبيب ما زالتا حليفتين استراتيجيتين، لكن ذلك لا يعني أنهما تنظران إلى المشهد الحالي بالطريقة نفسها. منذ اندلاع الحرب، دعمت الولايات المتحدة إسرائيل سياسياً وعسكرياً بشكل غير مسبوق. لكن مع مرور الوقت بدأت كلفة استمرار الصراع ترتفع على الجميع. المنطقة تعيش حالة استنزاف اقتصادي وأمني، وأسواق الطاقة تتفاعل مع كل تطور، فيما تجد واشنطن نفسها مضطرة للتعامل مع عدة ملفات دولية في وقت واحد، من أوكرانيا إلى الصين وصولاً إلى الشرق الأوسط. لهذا السبب تبدو إدارة ترامب أكثر اهتماماً بإيجاد مخرج سياسي للأزمة، أو على الأقل منع تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة. أما نتنياهو فيواجه حسابات مختلفة تماماً. فهو يقود حكومة تعيش ضغوطاً داخلية متزايدة، ويعرف أن أي توقف للحرب سيعيد النقاش الإسرائيلي مباشرة إلى ملفات الفشل الأمني والسياسي التي سبقت السابع من أكتوبر وما تلاه. من هنا يمكن فهم التوتر بين الرجلين. المشكلة ليست أن أحدهما يريد السلام والآخر يريد الحرب. القضية تتعلق بالمصالح والحسابات. ترامب يريد ترتيب المنطقة بطريقة تقلل الأعباء على الولايات المتحدة وتسمح لها بالتركيز على أولويات أخرى، بينما يرى نتنياهو أن استمرار التوتر يمنحه مساحة أكبر للمناورة السياسية ويؤجل استحقاقات داخلية لا يرغب في مواجهتها الآن. الأكثر أهمية في تصريحات ترامب لم يكن حديثه عن نتنياهو، بل حديثه عن إيران. فالرئيس الأمريكي تحدث عن تطورات سريعة في المفاوضات، وعن احتمال لقاء المرشد الإيراني، وعن تفاهمات قد تضمن عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً. هذه اللغة تختلف كثيراً عن لغة المواجهة التي سادت خلال الأشهر الماضية. وهي تشير إلى أن واشنطن بدأت تنظر إلى التفاهم مع إيران باعتباره خياراً واقعياً إذا كان قادراً على تحقيق عدة أهداف دفعة واحدة: خفض التوتر الإقليمي، حماية الملاحة في الخليج، تهدئة أسواق الطاقة، وتقليل الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي. في المقابل، لا تنظر إسرائيل إلى أي تقارب أمريكي إيراني بالارتياح نفسه. فإسرائيل بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية خلال السنوات الماضية على أساس اعتبار إيران التهديد الأول في المنطقة. وأي اتفاق بين واشنطن وطهران سيعني بالضرورة تغيراً في موازين القوى والحسابات السياسية التي اعتادت تل أبيب العمل ضمنها. لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس خلافاً شخصياً بين ترامب ونتنياهو، بل تبايناً في الأولويات بين حليفين تجمعهما الأهداف العامة وتفرقهما أحياناً وسائل الوصول إليها. الولايات المتحدة تريد إغلاق الملفات المشتعلة أو تجميدها، بينما لا يرى بعض قادة إسرائيل مشكلة في إبقائها مفتوحة ما دامت تخدم مصالحهم السياسية والأمنية. في النهاية، قد يتذكر كثيرون وصف ترامب لنتنياهو بأنه «مجنون»، لكن العبارة الأهم ربما كانت تلك المتعلقة بإيران وبإمكانية الوصول إلى تفاهمات قريبة. فمستقبل المنطقة خلال الأشهر المقبلة لن يتحدد بناء على السجالات الكلامية بين الزعماء، بل وفق قدرة واشنطن وطهران على الوصول إلى صيغة تخفف التوتر، أو فشلهما في ذلك. وعندها فقط سنعرف إن كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، أم نحو جولة أخرى من الصراعات التي يدفع الشرق الأوسط ثمنها منذ عقود.

