سيكتشف علماء النبات لاحقا أن كل ما رواه الصينيون عن انتساب نبتة الشاي الى بلادهم مجرد خدعة، وأن الهند هي مهد تلك الأوراق البرية التي تنمو في الغابات، ولا تاريخ دقيقا يرصد متى تنبه الصينيون إلى الكنوز الكامنة في اوراق الشاي. دعك من الإشارات الغامضة التي وردت على لسان كونفوشيوس في محاولة لرد الأصل إلى عصور سحيقة.

يرجح بعض العلماء أن اكتشاف هذه النبتة يعود إلى عام 350 للميلاد، حيث شق الشاي طريقه إلى موائد البيوت الصينية، وفي حلول القرن الثامن الميلادي احتل الشاي مكانة اقتصادية كبرى، لكن المؤرخ إدوارد جيبون يعيد ازدهار تجارة الشاي إلى القرن السادس الميلادي متتبعا قوافل الحرير والتوابل وخشب الصندل برا من السواحل الصينية إلى أسواق الرومان في البحر المتوسط عبر رحلة تمتد لقرابة ستة آلاف ميل، "لكننا لن نجد أثرا للشاي في أوروبا أو غرب آسيا إلا بعد ألف عام من تلك القوافل"، وكأن الشاي اختار أن يحتفظ بأسراره قرونا قبل أن يكشف عن نفسه للعالم.
مقايضة الشاي بالميرمية
سيدعي البرتغاليون أنهم أول من أدخل الشاي إلى أوروبا، قبل أن ينتشر في إنكلترا والبلاط الروسي وبلاد فارس، فيما تمنح موسوعة "بريتانيكا" الهولنديين شرف كونهم أول الأوروبيين تذوقا للشاي، وأن إحدى سفن شركة الهند الشرقية الهولندية في ثاني رحلة لها إلى الصين، عرضت على الصينيين مقايضة "الميرمية" المجهولة صينيا بمعدل ثلاثة أرطال من الشاي مقابل رطل واحد من الميرمية.
في منتصف القرن السابع عشر انتشرت المقاهي في لندن، إذ اقتسم الشاي المائدة مع القهوة، بوصفهما جزءا حيويا في تنشيط الذهن أثناء عقد الصفقات التجارية ومداولات البورصة. يشير فرانسيس ليغيت إلى أن الشاي لم يكن سلعة فحسب، بل "حاملا لخيال الشعوب ومرآة لمعتقداتها وعلاقاتها بالعالم"، وإذا بطقس "شاي الساعة الخامسة" الذي أصبح رمزا للترف في مطلع القرن العشرين يتحول إلى طقس شعبي، فلا فرق بين نبلاء الصالونات وعاملة غسل الثياب التي تترقب شاي ما بعد الظهيرة كمن ينتظر جرعة حياة بعد اثنتي عشرة ساعة من الكدح المضني.

ويختزل الرحالة روبرت فورتشن جوهر نبتة الشاي بعبارة حاسمة "إنها لا تخبرك بشيء، لكنها تدعوك لتصغي بهدوء". هنا علينا أن نتوقف مليا عند موسم قطاف الشاي، إذ يحتاج المزارع إلى ثلاث سنوات من زرع البذور لقطف أولى الأوراق، أما النكهة الكاملة للشاي فتحتاج إلى شجيرة عمرها ست سنوات، وغالبا بصحبة أغنية قديمة في مديح طقس القطاف ترافق موكب العاملات صباحا، "نحن نعيش وسط عشرة آلاف تل، حيث تنمو شجيرات الشاي في وفرة/ أحمل سلتي وأخرج من البيت، بينما الضباب لا يزال كثيفا".
فتش عن النكهة الفريدة
لا تتعلق أسرار الشاي في زراعته فقط، إنما في طريقة مزجه للحصول على نكهة خاصة تميز هذه التركيبة عن تلك، فالخلطة الفريدة لجهة اللون والنكهة والرائحة العطرية ودرجة التخمير، تصبح علامة مميزة لا تشبه سواها عند العطارين الآخرين، وتاليا يصعب فهم "العمليات الكيميائية الكامنة" والتفاصيل الغامضة لعمليات ذبول الأوراق وتجفيفها وتحول روائحها من "اللف اليدوي إلى التخمير الهوائي"، مما يجعل صناعة الشاي فنا بقدر ما هو علم، وتجربة لا وصفة جاهزة، وبمجازفة بلاغية هي "هوية جديدة لا تنتمي لمزرعة واحدة، بل لتوقيع ذوقي خاص، وإذا كان لكل شاي روح، فإن المزج هو الطريق إلى اكتشافها".







