... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
67886 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7571 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

فرانسيس ليغيت يتعقب أطلس الشاي الثقافي وتحولاته

العالم
مجلة المجلة
2026/03/31 - 07:43 502 مشاهدة
فرانسيس ليغيت يتعقب أطلس الشاي الثقافي وتحولاته layout Tue, 03/31/2026 - 08:43
 REUTERS/Jo Yong-Hak

كان على مؤرخي الأصول الأولى لاكتشاف الشاي اختراع أسطورة شعرية تليق بلغز هذه النبتة السحرية، فأسندوا هذه المهمة الجليلة الى الإمبراطور الصيني شن نونغ شي. حسب الأسطورة سيتذوق الإمبراطور نبتة سامة أثناء بحثه عن النباتات الطبية لعلاج المرضى، مما جعله يشعر بجفاف في فمه وخدر في لسانه فسقط مغميا عليه تحت شجرة، وكان ضروريا لاكتمال الحبكة أن تهب ريح تطيح بعض أوراق الشجرة، لكن مذاق هذه الأوراق كان مختلفا عما سبق، فقد كان طعمها مرا بعطر منعش، فجمع الإمبراطور هذه الأوراق كدواء لمعالجة السموم بعد غليها، وأطلق عليها اسم "تو"، لتبدأ رحلة الشاي كعلاج روحي وجسدي لدى مختلف الشعوب. هكذا ارتبطت أوراق الشاي بقوة الإمبراطورية الصينية ومكانتها الثقافية والتجارية في العالم القديم.

رحلة الأوراق السحرية من الصين إلى أوروبا

في كتابه" تاريخ الشاي"(دار نينوى، ترجمة كرام الصابوني)، يتعقب الباحث الأميركي فرانسيس ليغيت رحلة الأوراق السحرية للشاي من الهند والصين واليابان إلى أوروبا، والصراع الاستعماري حول أهمية هذا المشروب الذي غزا العالم محمولا على رافعة ثقافية لا تقل أسطورية عن رحلة اكتشافه الأولى، إذ شهد إنتاج الشاي تحولات مذهلة خلال مائة عام بعدما أصبح مشروبا وطنيا يبعث على الراحة ويحفز العقل في مختلف أنحاء العالم.

حقق انتشار الشاي في أرجاء آسيا وبلوغه أوروبا للصينيين أرباحا طائلة بالتوازي مع الحفاظ على أسرار هذه السلعة النفيسة بادعاء حاجتها إلى عمليات تصنيع معقدة، وأن أوراق الشاي "لا تقطف إلا في أوقات بعينها من الليل والنهار، وأن بعض الأنواع الرقيقة من الأوراق لا تقطف إلا بأيدي فتيات عذراوات"، وزيادة في الحذر، ادعوا أن الشاي الأخضر يلون بأملاح النحاس فوق صفائح خاصة، بالإضافة إلى حاجة نبتة الشاي إلى نوع نادر من التربة لجهة الرطوبة وطبيعة المناخ، إلا أن هذه المرويات الأسطورية لم تصمد طويلا، "ففي كل فنجان شاي تكمن حكاية تروى على موائد الفقراء والأثرياء، في بيوت الطين وصالونات النبلاء، والمقاهي الصاخبة، حتى غدا مرآة لحياة البشر وطقوسهم ومزاجهم".

تلك النبتة التي فتنت العالم
29 مارس , 2026
Region

في كل فنجان شاي تكمن حكاية تروى على موائد الفقراء والأثرياء، في بيوت الطين وصالونات النبلاء، والمقاهي الصاخبة

سيكتشف علماء النبات لاحقا أن كل ما رواه الصينيون عن انتساب نبتة الشاي الى بلادهم مجرد خدعة، وأن الهند هي مهد تلك الأوراق البرية التي تنمو في الغابات، ولا تاريخ دقيقا يرصد متى تنبه الصينيون إلى الكنوز الكامنة في اوراق الشاي. دعك من الإشارات الغامضة التي وردت على لسان كونفوشيوس في محاولة لرد الأصل إلى عصور سحيقة.

REUTERS/Bhawika Chhabra
بائع متجول يحتسي الشاي في كشكه في أحياء دلهي القديمة، الهند، 17 ديسمبر 2025

يرجح بعض العلماء أن اكتشاف هذه النبتة يعود إلى عام 350 للميلاد، حيث شق الشاي طريقه إلى موائد البيوت الصينية، وفي حلول القرن الثامن الميلادي احتل الشاي مكانة اقتصادية كبرى، لكن المؤرخ إدوارد جيبون يعيد ازدهار تجارة الشاي إلى القرن السادس الميلادي متتبعا قوافل الحرير والتوابل وخشب الصندل برا من السواحل الصينية إلى أسواق الرومان في البحر المتوسط عبر رحلة تمتد لقرابة ستة آلاف ميل، "لكننا لن نجد أثرا للشاي في أوروبا أو غرب آسيا إلا بعد ألف عام من تلك القوافل"، وكأن الشاي  اختار أن يحتفظ بأسراره قرونا قبل أن يكشف عن نفسه للعالم.

مقايضة الشاي بالميرمية

سيدعي البرتغاليون أنهم أول من أدخل الشاي إلى أوروبا، قبل أن ينتشر في إنكلترا والبلاط الروسي وبلاد فارس، فيما تمنح موسوعة "بريتانيكا" الهولنديين شرف كونهم أول الأوروبيين تذوقا للشاي، وأن إحدى سفن شركة الهند الشرقية الهولندية في ثاني رحلة لها إلى الصين، عرضت على الصينيين مقايضة "الميرمية" المجهولة صينيا بمعدل ثلاثة أرطال من الشاي مقابل رطل واحد من الميرمية.

في منتصف القرن السابع عشر انتشرت المقاهي في لندن، إذ اقتسم الشاي المائدة مع القهوة، بوصفهما جزءا حيويا في تنشيط الذهن أثناء عقد الصفقات التجارية ومداولات البورصة. يشير فرانسيس ليغيت إلى أن الشاي لم يكن سلعة فحسب، بل "حاملا لخيال الشعوب ومرآة لمعتقداتها وعلاقاتها بالعالم"، وإذا بطقس "شاي الساعة الخامسة" الذي أصبح رمزا للترف في مطلع القرن العشرين يتحول إلى طقس شعبي، فلا فرق بين نبلاء الصالونات وعاملة غسل الثياب التي تترقب شاي ما بعد الظهيرة كمن ينتظر جرعة حياة بعد اثنتي عشرة ساعة من الكدح المضني.

REUTERS/Catherine Benson
شاي بعد الظهر في قاعة «بالم كورت» بفندق ريتز في لندن خلال الذكرى المئوية لتأسيسه، 17 أبريل 2006، حيث يمكن للضيوف الاختيار من بين 17 نوعا من الشاي مع تشكيلة من السندويشات والحلويات المحضّرة يوميا.

ويختزل الرحالة روبرت فورتشن جوهر نبتة الشاي بعبارة حاسمة "إنها لا تخبرك بشيء، لكنها تدعوك لتصغي بهدوء". هنا علينا أن نتوقف مليا عند موسم قطاف الشاي، إذ يحتاج المزارع إلى ثلاث سنوات من زرع البذور لقطف أولى الأوراق، أما النكهة الكاملة للشاي فتحتاج إلى شجيرة عمرها ست سنوات، وغالبا بصحبة أغنية قديمة في مديح طقس القطاف ترافق موكب العاملات صباحا، "نحن نعيش وسط عشرة آلاف تل، حيث تنمو شجيرات الشاي في وفرة/ أحمل سلتي وأخرج من البيت، بينما الضباب لا يزال كثيفا".

فتش عن النكهة الفريدة

 لا تتعلق أسرار الشاي في زراعته فقط، إنما في طريقة مزجه للحصول على نكهة خاصة تميز هذه التركيبة عن تلك، فالخلطة الفريدة لجهة اللون والنكهة والرائحة العطرية ودرجة التخمير، تصبح علامة مميزة لا تشبه سواها عند العطارين الآخرين، وتاليا يصعب فهم "العمليات الكيميائية الكامنة" والتفاصيل الغامضة لعمليات ذبول الأوراق وتجفيفها وتحول روائحها من "اللف اليدوي إلى التخمير الهوائي"، مما يجعل صناعة الشاي فنا بقدر ما هو علم، وتجربة لا وصفة جاهزة، وبمجازفة بلاغية هي "هوية جديدة لا تنتمي لمزرعة واحدة، بل لتوقيع ذوقي خاص، وإذا كان لكل شاي روح، فإن المزج هو الطريق إلى اكتشافها".

يختزل الرحالة روبرت فورتشن جوهر نبتة الشاي بعبارة حاسمة "إنها لا تخبرك بشيء، لكنها تدعوك لتصغي بهدوء"

هذه الحفريات التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر في نبش تاريخ الشاي ليست نهائية، كما يجزم فرانسيس ليغيت. يقول: "من يدري؟ لعل المستقبل يكشف عن عناصر خفية لم نكتشفها بعد، أو يعيد تعريف ما حسبناه معلوما"، ويتابع: "سيبقى الشاي في نظر عاشقيه أكثر من مزيج نباتي، سيبقى طقسا إنسانيا دافئا، تتداخل فيه الكيمياء بالذكريات، والنكهة بالشعور، والفكر بالسكينة".

REUTERS/Stringer
زوار يرفعون هواتفهم أمام عرض ثلاثي الأبعاد لفنجان شاي خزفي داخل خزانة زجاجية خلال مؤتمر صناعة الواقع الافتراضي في نانتشانغ، مقاطعة جيانغشي، الصين، 20 أكتوبر 2019

 ما إن نغادر مختبرات الكيمياء، وقاعات الجدل العلمي، سنجد أنفسنا في حضرة الحكاية وموقد الماء وبخار أبريق الشاي والرسوم الموحية لفناجين الخزف، وطقوس المساء، وفضل الشاي وأثره في النفس والبدن، فقد تسلل هذا المشروب السحري من فضاء الحياة اليومية الحميمية إلى كتب الرحالة والروايات وموانئ البحارة ومدونات الفلاسفة والمفكرين.

في هذا المقام تصور هارييت بيتشر ستو في روايتها "خطبة القسيس" جانبا من مجالس موائد الشاي وتمازج الألفة والعقلانية، فيما يرسم تشارلز ديكنز صورة لحركة بخار إبريق الشاي كمن يتحدث عن لحن موسيقي أو كائن على هيئة سحابة رشيقة، بالإضافة إلى عشرات النصوص التي كتبها شعراء صينيون في تبجيل الشاي. يقول الشاعر الصيني لي تاي بيه في وصف حديقة شاي: "لكل كائن ملجأ يأوي إليه، أما أنا، فليس لي ما ألوذ به، فأجلس قبالة القمر المشع فوق الجرف، وأغني وأشرب في حضرة الزهور العطرة".

بين اللذة والمعنى

في تحديقة أخرى، يعتني فرانسيس ليغيت بأدوات الشاي القديمة، بهجة أكواب الخزف والزخارف التي تحيط بالصحون، "كأنها خريطة لعالم لم ير من قبل، لكنه مألوف بطريقة غريبة". رسوم حالمة لجبال شاهقة، وشلالات تنساب من أعالي الصخور، وأدراج حجرية تؤدي إلى معابد وقصور، ونساء بأزياء مطرزة، وكأن طقوس الشاي وحدها هي التي توقظ الذكريات وأسباب الحنين التي خلدها الخزافون الصينيون بمهارة لا تنسى، بالتوازي مع تصاوير وألغاز اللغة الصينية ورموزها التي لا تتوسل الأبجديات لتكوين الكلمات، فلكل رمز معنى، كما لكل نوع من الشاي مذاقه الخاص.

REUTERS/Thilina Kaluthotage
عاملة تقطف أوراق الشاي صباحا في مزرعة بمدينة راتنابورا، إقليم ساباراغاموا، سري لانكا، 15 سبتمبر 2024

لعل الشاي هذا المشروب البسيط في ظاهره، كما يستنتج فرانسيس ليغيت، لم يكن ممكنا إلا في حضارة تنظر حتى إلى أبسط الأشياء بعين الشاعر، وتصوغ اليومي المألوف في هيئة طقس، ومن هذه الزاوية، نفهم لماذا لم يكن الشاي في أصله، شرابا فحسب، بل كان موقفا من الحياة تجسد في حضارة عريقة، "لم تفصل يوما بين اللذة والمعنى، وبين اليد التي تعد الكوب، والعين التي تتأمل البخار الصاعد منه كأنه ترنيمة صامتة لزمن يفيض بهدوء الحكمة".

غلاف "تاريخ الشاي"

بعد مرور قرن على هذه الوثيقة النادرة عن تاريخ الشاي، يرمم المترجم فصول الكتاب بملحق على هيئة أطلس ثقافي يرصد شيوع الشاي في الحياة العربية، وكيف تسللت هذه الورقة السحرية إلى المضافة الشامية كمنافسة لمشروب القهوة، في أواخر العهد العثماني، فيما ارتبط الشاي في مصر بالمقاهي وحول موائد المثقفين والطبقات الشعبية، وبلغ مقاما مرموقا في المغرب من بوابة التجارة البريطانية خلال القرن التاسع عشر بطقوس خاصة منحته هوية مستقلة، وفي الخليج العربي واليمن حضر الشاي بتأثيرات هندية، كان أبرز تجلياتها شاي الكرك المكون من الشاي الأسود والحليب والهيل.

لن يكترث أحد لمصير آلاف العمال والأطفال الذين يعملون في مزارع الشاي بشروط شاقة وأجور زهيدة، فالشاي لم يعد مجرد نكهة، صار سؤالا

وسوف يطيح العصر الرقمي الهويات المحلية لطقوس الشاي لا كمشروب فحسب، إنما كعلامة بصرية في عدسات الهواتف الذكية، فلا مكان هنا لقصائد حافظ الشيرازي وسواه في مديح النار الهادئة المنبعثة من الموقد لغلي الشاي على الفحم أو الغاز أو الحطب في بلاد فارس، ولن يكترث أحد لمصير آلاف العمال والأطفال الذين يعملون في مزارع الشاي بشروط شاقة وأجور زهيدة، "فالشاي لم يعد مجرد نكهة، صار سؤالا".

31 مارس , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤