فرانسوا هولاند يعود إلى الواجهة: طموح رئاسي يصطدم بذاكرة الفرنسيين وانقسام اليسار
أعاد فرانسوا هولاند خلط أوراق المشهد السياسي في فرنسا بإعلانه الصريح عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، في محاولة للعودة إلى قصر الإليزيه بعد سنوات من مغادرته السلطة. خطوة تعكس رغبة واضحة في استعادة موقعه داخل الحياة السياسية، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة حول مدى قدرة الرجل على إقناع الفرنسيين بطي صفحة الماضي.
هولاند، الذي قاد البلاد بين 2012 و2017، يعود اليوم بخطاب يرتكز على “الديمقراطية الاجتماعية” بنَفَس إصلاحي، محاولًا التمايز عن التيارات اليسارية الأكثر تشددًا، وعلى رأسها حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون. غير أن هذا التموضع لا يبدو كافيًا في ظل الانقسام العميق الذي يعيشه اليسار الفرنسي، خاصة داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي لم يستعد بعد توازنه منذ سنوات.
في المقابل، يواجه فرانسوا هولاند واقعًا انتخابيًا صعبًا، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى ضعف حظوظه، مع نسبة دعم لا تتجاوز حدودًا متواضعة، في وقت يتقدم فيه حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا، الذي يفرض نفسه كأحد أبرز المرشحين في السباق الرئاسي المقبل.
لكن التحدي الأكبر أمام هولاند لا يكمن فقط في خصومه السياسيين، بل في إرثه خلال فترة حكمه، والذي لا يزال حاضرًا بقوة في ذاكرة الناخبين. فقد ارتبطت ولايته بارتفاع معدلات البطالة وضعف النمو الاقتصادي، إلى جانب قرارات مثيرة للجدل، من أبرزها ما عُرف بـ«ضريبة المليونيرات»، التي أثارت انتقادات واسعة واعتُبرت عامل نفور لدى الأوساط الاقتصادية، بل ودَفعت شخصيات معروفة، مثل جيرار ديبارديو، إلى مغادرة البلاد.
هذه الحصيلة الثقيلة تجعل من عودته إلى السباق الرئاسي مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج، خاصة في ظل مشهد سياسي متغير، وصعود تيارات جديدة أكثر قدرة على استقطاب الناخبين الغاضبين أو الباحثين عن بدائل.
ورغم ذلك، يبدو أن فرانسوا هولاند يراهن على عامل الزمن وخبرته الطويلة لإعادة بناء صورته، مستفيدًا من حالة التشتت التي يعيشها خصومه داخل اليسار. غير أن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر، لأن معركة 2027 لن تُحسم فقط بالبرامج، بل بقدرة المرشحين على إقناع الفرنسيين بأنهم يمثلون مستقبلًا مختلفًا، لا مجرد عودة إلى تجارب سابقة.
وتبدو عودة هولاند أقرب إلى محاولة سياسية جريئة، لكنها تصطدم بواقع انتخابي معقد وذاكرة شعبية لا تنسى بسهولة، ما يجعل طريقه نحو الإليزيه مليئًا بالعقبات أكثر من كونه مفروشًا بالفرص.





