فوضى التبرعات خلال الحرب: العمل الإنساني سوق بلا ضوابط!
مع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية على لبنان، لم تقتصر التداعيات على الدمار والنزوح، بل امتدت لتُنتج شبه اقتصاد يقوم على المساعدات والتبرعات، في ظل غياب التنظيم والرقابة. وبين الحاجة الفعلية لآلاف العائلات النازحة، واندفاع المبادرات الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة "فوضى التبرعات" كإحدى أبرز ملامح المرحلة، بما تحمله من مخاطر اقتصادية وقانونية.
منذ الأيام الأولى للحرب، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة غير مسبوقة من الدعوات إلى التبرع، سواء من مؤثرين أو أفراد عاديين، نشروا أرقام هواتفهم وحساباتهم المصرفية أو الإلكترونية، لا سيما عبر تطبيقات تحويل الأموال مثل "Whish" وسواها، وقد استندت هذه الدعوات إلى واقع حقيقي يتمثل في نقص المساعدات، غير أن كثافتها وعشوائيتها أثارتا الشكوك.
هذا المشهد لم يكن مألوفاً بهذا الحجم في الحروب السابقة، حيث بدت عمليات جمع التبرعات اليوم أقرب إلى "اقتصاد طارئ غير منظّم"، يفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية أو المساءلة، ما فتح الباب أمام مبادرات وهمية، وعمليات نصب واحتيال، وثّقها ناشطون ورواد على وسائل التواصل.
في هذا السياق، أصدرت شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي تنبيهاً حول تزايد حالات الاحتيال المرتبطة بجمع التبرعات، بالتوازي مع شكاوى تتعلق بالإيجارات الوهمية واستغلال النازحين.
وكشف مصدر رسمي في الشعبة لـ"المدن"، عن "ارتفاع ملحوظ في عدد الشكاوى المرتبطة بجمع التبرعات"، لا سيما بعد تسليط الضوء الإعلامي على هذه الظاهرة. وأشار إلى ورود معطيات غير رسمية تفيد بوجود أفراد ينشرون وسائل لتحويل الأموال تحت عناوين إنسانية من دون أي غطاء قانوني أو رقابي.
ووفق المصدر، فإنَّ ما يُعرف بالتمويل الجماعي (crowdfunding) لا يزال غير منظّم في لبنان، خصوصاً حين يتم عبر الأفراد، وهذا ما يعقّد عملية الملاحقة القانونية، ويزيد من احتمالات الاحتيال. ودعا المواطنين إلى التحقق من هوية الجهات المستفيدة قبل تحويل الأموال، والإبلاغ عن أيَّة شبهات عبر القنوات الرسمية.
من الناحية القانونية، يضع هذا الواقع لبنان أمام إشكالية بنيوية تتعلق بعدم مواكبة التشريعات للتطورات الرقمية. ويشرح المحامي والمحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة كريم ضاهر أن "لبنان لا يملك حتى الآن قانوناً ينظّم بشكل مباشر أو صريح مسألة جمع التبرعات الإلكترونية".
ويضيف أن هذا النوع من الأنشطة يقع ضمن إطارين عامين: قواعد الانتظام العام، وقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44 الصادر في العام 2015. وهذا ما يعني أنَّ أيَّة عملية جمع أموال عبر الإنترنت قد تكون عرضة للمساءلة في حال غياب الشفافية.
ويشير ضاهر إلى أن القانون اللبناني يحدد سقوفاً مالية للتبرعات تختلف بين الأفراد والجمعيات. فالجمعيات المرخصة (علم وخبر) تستفيد من حد إعفاء يصل إلى 6 مليارات ليرة، فيما تخضع المبالغ التي تتجاوز هذا الحد لرسوم انتقال تتراوح بين 9% و24%. أما جمعيات المنفعة العامة، فهي معفاة بالكامل من هذه الرسوم.
في المقابل، يُسمح للأفراد بتلقي ما يصل إلى 96 مليون ليرة فقط، على أن تخضع المبالغ التي تتجاوز هذا السقف لرسوم تختلف بحسب صلة القرابة، وقد تصل إلى 45% في حال عدم وجود أي رابط.
إلى جانب العبء الضريبي، تبرز مخاطر قانونية أكثر خطورة، تتعلق بتبييض الأموال. إذ يحذر ضاهر من أن عدم تحديد مصدر الأموال أو وجهتها قد يضع الأفراد تحت طائلة قانون مكافحة تبييض الأموال، خصوصاً في ظل غياب آليات واضحة للتدقيق.
وفي هذا الإطار، تلجأ بعض الشركات والمؤسسات المالية إلى تجميد أو إغلاق الحسابات التي تشهد تدفقات مالية مشبوهة، في محاولة لحماية نفسها من أي تبعات قانونية. ويؤكد ضاهر أن التهرب الضريبي بحد ذاته يُعد جرماً أساسياً يمكن أن يؤدي إلى ملاحقات بتهمة تبييض الأموال، في حال تم إخفاء أو تهريب الأموال. حتى الجمعيات التي لا يوجد لها سجل علم وخبر تعتبر مخالفة قانونياً ويمكن ملاحقتها كما لا يحق لها جمع التبرعات.
تعكس فوضى التبرعات في لبنان نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته "اقتصاد الظل الإنساني"، حيث تختلط المبادرات الصادقة بمحاولات الاستغلال، في غياب إطار قانوني ناظم وآليات رقابة فعالة.
فالحرب، بما تفرضه من ضغوط إنسانية واقتصادية، تخلق بيئة خصبة لنمو هذا النوع من الاقتصاد، الذي يعتمد على الثقة أكثر من اعتماده على المؤسسات. إلا أن هذه الثقة، حين لا تُحمى بقواعد واضحة، تتحول إلى نقطة ضعف يمكن استغلالها.
في المحصلة، لا يمكن إنكار الحاجة الملحة للتبرعات في ظل الانهيار الاقتصادي وتزايد أعداد النازحين. لكن هذه الحاجة نفسها تفرض ضرورة الانتقال من الفوضى إلى التنظيم، عبر تحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة، وتشجيع المبادرات الشفافة.
فحماية المتبرعين لا تقل أهمية عن دعم المحتاجين، والحد من الاستغلال بات جزءاً أساسياً من أي استجابة إنسانية فعالة. وبين الدولة الغائبة والمجتمع المتضامن، يبقى الرهان على وعي الأفراد، إلى حين بناء إطار قانوني يضبط هذا القطاع الحيوي.
فاطمة البسام- المدن
The post فوضى التبرعات خلال الحرب: العمل الإنساني سوق بلا ضوابط! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





