... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
42958 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7225 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

فن الصفقة بين الوهم والواقع في استراتيجية ترامب التفاوضية.

العالم
أمد للإعلام
2026/03/28 - 12:33 501 مشاهدة

في أدبيات إدارة الأعمال والسياسة، يظل كتاب "فن الصفقة" (The Art of the Deal) الذي شارك في كتابته الرئيس الأمريكي/دونالد ترامب، مرجعية أساسية لفهم عقلية رجل أعمال حول التفاوض إلى أداة حكم.

يقوم هذا "الفن" كما يزعم ترمب على مجموعة من المبادئ، منها التفكير بهدف الصفقة الكبرى، استخدام الضغط النفسي، والتهديد كأداة تمهيدية، وخلق نقاط بديلة وهمية، والإصرار على صياغة السردية الإعلامية بما يخدم الطرف الأقوى.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في سياق السياسة الدولية، وتحديداً في الملف الإيراني الشائك، هو، هل يمكن لهذا "الفن" أن ينجح في بيئة تعتمد على الردع الاستراتيجي، وموازين القوى الصلبة، وثقافة التفاوض الطويل الأمد التي تتقنها إيران؛ أم أن "فن الصفقة" يتحول، عند الاصطدام بحقائق الجغرافيا السياسية إلى مجرد "فن اختلاق الانتصارات الوهمية" و"التفاوض مع الذات" كما يفعل ترمب.

هذا المقال المتواضع يحاول تفكيك هذه الإشكالية من خلال تحليل معمق لحادثة دبلوماسية فجرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، تمثل نموذجاً صارخاً للفجوة بين السردية الأمريكية والحقيقة الميدانية وهي "فضيحة المهل الوهمية" التي يخترعها ترمب في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران. سنتجاوز في هذا التحليل السرد الخبري إلى قراءة استراتيجية تكشف عن أزمة منهجية في صنع القرار الأمريكي، وتضع "فن الصفقة" أمام اختبار الصدق الاستراتيجي، كما سنتوسع في قراءة البعد الأوروبي الذي يكشف عن عمق العزلة الأمريكية في هذا الملف على النحو التالي:

أولاً: الإطار النظري – "فن الصفقة" كمنهج في إدارة الصراع.

لفهم جذور الأزمة، لا بد من تفكيك المكونات الفكرية لـ "فن الصفقة" كما يمارسها ترامب في السياسة الخارجية، وهي مكونات تختلف جوهرياً عن الدبلوماسية التقليدية. يقوم هذا المنهج على أربع ركائز أساسية وهي:

-التفاوض من خلال "الجنون العقلاني"، وهو تعمد إيصال إشارات بعدم القدرة على التنبؤ بهدف دفع الخصم إلى حافة الهاوية وإجباره على تقديم تنازلات خوفاً من التصعيد غير المحسوب.

-إلغاء الوسائط التقليدية من خلال الاعتماد على قنوات اتصال غير تقليدية مثل تويتر والمبعوثون الشخصيون، بهدف تجاوز المؤسسات الدبلوماسية الراسخة وخلق حالة من "الارتباك الاستراتيجي" لدى الطرف الآخر.

-خلق الحقائق البديلة، حيث يتم التعامل مع الإعلام ليس كمراقب محايد بل كأداة تنفيذية لتثبيت سردية الانتصار، حتى لو كانت هذه السردية لا تتطابق مع الوقائع الميدانية.

-المرونة في التهديد، باستخدام لغة التهديد الأقصى مثل "المحو" و"القصف الليلي" مع الاحتفاظ بهامش واسع للتراجع، شريطة أن يتم صياغة هذا التراجع على أنه "منحة" أو "فرصة أخيرة" يقدمها الطرف الأقوى.

هذه المكونات سابقة الذكر، التي قد تنجح في صفقات عقارية أو حتى في بعض الملفات الثنائية غير المتكافئة، تواجه اختباراً حقيقياً عندما تصطدم بدولة مثل إيران، التي بنت استراتيجيتها على مبدأ "الصمود النشط" والردع المتعدد الأبعاد عبر محور المقاومة والبرنامج الصاروخي والقدرة على إغلاق المضيق. فطهران لا تتفاوض تحت وطأة المهلة الوهمية، بل تتعامل مع الزمن كحليف استراتيجي يمنحها فرصة استنزاف الخصم في لعبة الصبر الطويل كما فعلت في الحرب مع العراق والتي استمرّت 8 سنوات.

ثانياً: قراءة الحادثة – تفكيك "فضيحة المهل الوهمية" (وول ستريت جورنال)

في لحظة محورية كشفت عن عمق المأزق الأمريكي، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" -وهي صحيفة لا تُصنف عادة ضمن المعسكر المناهض لترامب- تقريراً مدوياً نقلاً عن وسطاء دوليين، أفاد بأن الرواية الأمريكية حول طلب طهران تأجيل ضرب منشآت الطاقة لمدة عشر أيام هي "محض خيال" سياسي يهدف للتغطية على مأزق واشنطن. وللإشارة تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" لم يكن مجرد تسريب، بل كان تشريحاً لثلاث طبقات من الانفصال عن الواقع تتجلى في الآتي:

أولاً: التأجيل من طرف واحد. كان ترامب قد زعم في تصريحات متلفزة وتغريدات أن إيران طلبت مهلة عشرة أيام لدراسة الموقف، وبناءً على هذا الطلب وافق على تأجيل الضربات. لكن الوسطاء أكدوا أن الرواية معكوسة تماماً. فإيران لم تطلب أي مهلة، ولم تتقدم بأي طلب لتعليق الضربات. الحقيقة الأكثر إيلاماً لواشنطن هي أن القرار بالتأجيل كان أمريكياً منفرداً، بعد أن اصطدمت فرق التخطيط العسكري بحقائق الميدان، وتحديدا عدم وجود ضمانات لنجاح ضربة محدودة دون رد إيراني شامل، وعجز القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة عن امتصاص رد انتقامي واسع من محور المقاومة؛ هنا تحول "فن الصفقة" إلى "فن إدارة الهزيمة الذاتية"، حيث يتم تسويق القرار الإجباري بالتراجع وكأنه منحة كريمة للخصم.

ثانياً: لا رد نهائياً – خطة الـ 15 بنداً معلقة.

على الجانب الآخر من المشهد، كان البيت الأبيض يروج لصورة مفادها أن هناك مفاوضات جادة ومثمرة تجري حول خطة السلام الأمريكية المكونة من 15 بنداً. لكن المصادر كشفت أن الحقيقة مختلفة تماماً، أن إيران لم تقدم بعد رداً نهائياً على المقترح، وبالطبع طهران ببرود أعصابها المعروف في المفاوضات، كانت لا تزال تدرس المقترح، وتصر على رفض منطق "المهل الزمنية" التي يحاول البيت الأبيض فرضها عبر موقع تويتر x. هذا يعني أن ترامب كان يتفاوض مع نفسه؛ فهو يضع مقترحاً، ثم يضع مهلة، ثم يمدد المهلة بناءً على "طلبات" من طرف لم يطلب شيئاً أصلاً.

ثالثاً: التفاوض مع الذات – تأكيد الرواية الإيرانية.

هذه التسريبات كانت بمثابة تأكيد رسمي غير مقصود لصحة التصريحات الساخرة التي صدرت عن "مقر خاتم الأنبياء" -الجهة المسؤولة عن التنسيق الأمني في إيران- والتي قالت بصراحة "أمريكا تتفاوض مع نفسها". لم تكن هذه العبارة مجرد شعار دعائي، بل أصبحت وصفاً دقيقاً للمشهد. ترامب، الذي يرى نفسه "صانع الصفقات"، وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه يخلق سيناريوهات تفاوضية وهمية، ويضع مهلاً، ثم يمددها بناءً على طلبات متخيلة، فقط ليهرب من فخ الحرب الشاملة التي لا يملك هو أو مستشاروه تصوراً لنهايتها.

ثالثاً: التحليل الاستراتيجي – من "فن الصفقة" إلى "فن المأزق".

إذا تجاوزنا قراءة الحادثة كخبر عابر، يمكننا استخلاص عدة أبعاد استراتيجية تكشف عن تحول جوهري في معادلات القوة. فما كشفته وول ستريت جورنال لا يفضح فقط فجوة في السردية، بل يكشف عن أزمة بنيوية في المنهج الأمريكي تجاه الملف الإيراني.

البعد الأول: أزمة المصداقية كمحدد رئيسي للسياسة الخارجية.

تكمن المفارقة في أن الأداة التي كان يفترض أن تعزز الهيمنة الأمريكية -أي "فن الصفقة" الذي يتغني بها ترمب، أصبحت تكشف عن أزمة مصداقية عميقة. عندما يضطر رئيس أقوى دولة في العالم إلى اختلاق "طلب إيراني" ليبرر عدم قصفه لمنشآت إيران، فإن الرسالة التي تصل إلى حلفاء واشنطن في المنطقة مثل دول الخليج أو إسرائيل- ليست رسالة قوة، بل رسالة عجز مقنع. لقد تحول "الردع الإيراني" من مفهوم دفاعي إلى قوة فعالة قادرة على فرض منطقها على الجدول الزمني للعدو؛ وفي عالم الدبلوماسية، حيث (المصداقية) هي العملة الأكثر قيمة، فإن استمرار هذا النمط من اختلاق الروايات الكاذبة يؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة واشنطن على قيادة تحالفاتها أو حتى على إدارة أزماتها الخاصة.

البعد الثاني: تحول "المهلة" من أداة ضغط إلى غاية في حد ذاتها.

في فلسفة الرئيس/ترامب التفاوضية، "المهلة" هي أداة لخلق حالة من الاستعجال لدى الخصم، لدفعه لاتخاذ قرارات غير محسوبة، لكن في هذه الحالة، تحولت المهلة إلى غاية بحد ذاتها.

ترامب لم يعد يضع مهلاً حقيقية بقدر ما أصبح يخلق مسلسلاً من "المهل الوهمية"، كل مهلة تنتهي بأخرى، وكل تهديد يتبعه تأجيل. هذا التحول يعكس حالة من "الجمود الاستراتيجي" حيث أصبح البيت الأبيض محتجزاً في سجن خطابه التصعيدي، غير قادر على التراجع لأنه سيكون اعترافاً بالهزيمة، وغير قادر على التقدم لأن التكلفة تفوق الفائدة؛ إنها حالة من الشلل التفاوضي ترتدي ثياب النشاط الظاهري.

البعد الثالث: التقدير الخاطئ لطبيعة الخصم.

يبدو أن أحد أعمق أخطاء "فن الصفقة" في هذا الملف هو التقدير الخاطئ لطبيعة الخصم، فإيران ليست شركة عقارية في مانهاتن، ولا هي نظام يمكن كسره بعقوبات إضافية أو تهديدات عسكرية متقطعة.

الجمهورية الإسلامية تاريخ طويل من الحضارة، ومؤخرا بنت نموذجاً في "إدارة الأزمات الطويلة" يعتمد على ثلاث ركائز هي "تحمل الضغط حيث أن العقوبات القصوى لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني على مدى أربعة عقود؛ والاستفادة من الزمن حيث تدرك طهران أن الدورات الانتخابية الأمريكية تخلق نوافذ ضغط محدودة وأن الصبر الاستراتيجي هو سلاح الأضعف في مواجهة الأقوى؛ والردع غير المتماثل حيث تمتلك إيران من خلال شبكة من الوكلاء والقدرات الصاروخية أدوات لرفع تكلفة أي عمل عسكري أمريكي إلى مستويات غير مقبولة".

رابعاً: نماذج تحليلية – من "أكاذيب ترامب" إلى "المهل الوهمية" لإيران.

لتأصيل هذه الظاهرة بشكل أعمق، يمكن استعراض نموذجين أساسيين يعكسان نمطاً متكرراً في إدارة ترامب للأزمات، حيث لا تظهر حادثة إيران بمعزل عن سياق أوسع من الممارسات التي تتبع المنطق نفسه.

النموذج الأول: "أكاذيب ترامب" كمنهج في بناء الواقع الموازي.

لم تكن حادثة إيران هي الأولى التي يعيد فيها ترامب صياغة الحقائق لتتناسب مع سردية النصر، حيث يمكن تتبع هذا النمط في الانسحاب من أفغانستان الذي تم تسويقه كـ "صفقة عظيمة" و"إنهاء للحروب الأبدية"، رغم الفوضى التي أعقبت الانسحاب وسقوط كابول وتخلي الولايات المتحدة عن حلفائها الأفغان.

كما ظهر هذا النمط في الترويج للاتفاقيات الإبراهيمية كـ "انتصار دبلوماسي كبير" حاصر إيران، في حين أن القضية الفلسطينية ظلت مفتوحة وإيران واصلت تقدمها النووي دون رادع حقيقي، وحتى في إدارة جائحة كورونا، تكررت ادعاءات بأن الولايات المتحدة "الأفضل تجهيزاً" رغم الأرقام القياسية للإصابات والوفيات. هذه الأمثلة تظهر نمطاً ثابتاً حول بناء واقع بديل يوحي بالسيطرة والانتصار، بغض النظر عن الحقائق الميدانية، ولكن في حالة إيران، كان هذا النمط ضرورياً لملء الفراغ بين التهديدات -الإبادة والمحو- والنتائج الفعلية المتمثلة في التأجيل والتراجع.

النموذج الثاني: "المهل الوهمية" وآلية التفاوض مع الذات.

في هذه الآلية، يمكن ملاحظة الفجوة الواسعة بين الرواية الأمريكية (اكاذيب ترامب) وبين الحقيقة الميدانية حيث روج البيت الأبيض لرواية مفادها أن إيران طلبت مهلة عشرة أيام لدراسة خطة السلام، ولكن كشف الوسطاء أن واشنطن هي من قررت التأجيل منفرداً بعد عجزها عن ضمان نجاح الضربة. وفي حين تحدثت الإدارة الأمريكية عن مفاوضات جادة ومثمرة حول خطة الـ 15 بنداً، أكد الوسطاء أن إيران لم تقدم رداً نهائياً ولا تزال تدرس المقترح ببرود.

هذا التفكيك يكشف أن واشنطن لم تكن تتفاوض مع إيران بقدر ما كانت تتفاوض مع مخاوفها الداخلية والخوف من حرب مفتوحة لا نهاية لها قد تصبح مستنقعاً جديداً مثل فيتنام، والخوف من انهيار صورة القوة أمام حلفاء المنطقة في السعودية والإمارات وإسرائيل، والخوف من انعكاسات الفشل على الداخل الأمريكي في عام انتخابي حساس.

خامساً: السيناريوهات المستقبلية بين المأزق الحالي وخيارات المواجهة.

بالنظر إلى المعطيات الحالية، وصولاً إلى تاريخ مهلة ترامب في السادس من أبريل2026, وما بعده، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية، كل منها يحمل انعكاسات مختلفة على الاستقرار الإقليمي ويطرح تساؤلات حول مستقبل "فن الصفقة" في المنطقة وهي كما يلي:

السيناريو الأول: سيناريو "التفاوض مع الخيال" أو الاستمرارية وإدارة الأزمة.

هذا هو السيناريو الأقرب للواقع الحالي الذي يمارس فيه ترامب الأكاذيب ؛ في هذا السيناريو، يواصل ترامب مسلسل اختلاق "طلبات إيرانية" وهمية لتبرير تمديد المهلات، متذرعاً بالحاجة إلى مزيد من الوقت للوساطة أو لدراسة الخطة.

يتميز هذا السيناريو بأنه يتيح لترامب تجنب الصدام العسكري المباشر الذي لا يملك تصوراً لنهايته، ويحافظ في نفس الوقت على ماء وجهه أمام جمهوره بأنه "يتفاوض من موقع قوة"؛ لكن عيوبه كبيرة، إذ يؤدي إلى تآكل متزايد في المصداقية الأمريكية داخلياً وخارجياً، ويحول "فن الصفقة" إلى مادة للسخرية في الخطاب الإعلامي الإيراني والإقليمي. هذا السيناريو يمكن أن يستمر لشهور، لكنه يعزز الإدراك الإقليمي بأن "الردع الإيراني" هو القوة الأكثر فعالية في المعادلة.

السيناريو الثاني: سيناريو "الانفجار المفاجئ" أو العودة إلى لغة التهديد والعمل العسكري المحدود.

إذا شعر ترامب أن الرواية الوهمية لم تعد قادرة على احتواء المأزق، أو إذا وجد نفسه مجبراً على تقديم دليل ملموس على "القوة" قبل استحقاق انتخابي مهم، فقد يلجأ إلى خيار عسكري محدود، مثل ضرب رمزي لمنشأة نفطية أو قاعدة عسكرية، ليحاول إعادة هندسة المشهد.

في هذا السيناريو، قد يكون الضرب "مقاساً" لتجنب الرد الإيراني الشامل، لكن المخاطرة عالية جداً، إيران أظهرت قدرة عالية على إدارة التصعيد من خلال تدرج الرد واستخدام الوكلاء واستهداف القواعد الأمريكية في سوريا والعراق.، والنتيجة المحتملة هي فتح جبهة جديدة غير محسوبة، وانتقال المنطقة من مرحلة "التفاوض مع الخيال" إلى مرحلة "الحرب بالوكالة" أو حتى المواجهة المباشرة، وربما هذا السيناريو هو الأكثر خطورة، وقد تجنبه ترامب سابقاً لاعتقاده أن تكلفته السياسية والعسكرية تفوق أي مكسب انتخابي محتمل.

السيناريو الثالث: سيناريو "إعادة الضبط" أو الانزلاق غير المعلن إلى تفاوض حقيقي.

بالرغم من أن هذا السيناريو يبدو الأبعد في ظل الأجواء المشحونة والخطاب التصعيدي، إلا أنه ليس مستحيلاً ؛قد تدفع فضيحة "المهل الوهمية" الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها، والانتقال من منطق "فرض الشروط" إلى منطق "التفاوض الحقيقي".

يتطلب هذا السيناريو اعترافاً ضمنياً من واشنطن بأن "فن الصفقة" الترامبي قد فشل في تحقيق أهدافه في الملف الإيراني، وقد يتم هذا عبر وسطاء مثل عمان، قطر، باكستان، مصر بصيغة تسمح للجانبين بالتراجع عن التصعيد دون خسارة الوجه، للوصول إلى تفاهمات مؤقتة حول تثبيت التصعيد النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات. هذا السيناريو هو الأكثر منطقية للاستقرار الإقليمي، لكنه قد يكون مكلفاً سياسياً لترامب شخصياً، لأنه سيكون اعترافاً بأن "الحد الأقصى من الضغط" لم يحقق أهدافه.

سادساً: الشرخ الأطلسي – واشنطن والاتحاد الأوروبي بين اختلاف المصالح وتفكك التحالف.

لا يمكن فهم المأزق الأمريكي في الملف الإيراني بمعزل عن البعد الأوروبي، الذي يمثل فصلاً محورياً في أزمة المصداقية الأمريكية؛ فالشرخ المتصاعد بين واشنطن والاتحاد الأوروبي (حلف الناتو) ليس مجرد خلاف تكتيكي حول إدارة الملف، بل هو تعبير عن اختلاف جوهري في الرؤى والمصالح والأساليب، مما عمق من عزلة السياسة الأمريكية وأضعف قدرتها على تشكيل إجماع دولي ضد إيران لعدة أسباب هي:

أولاً: جذور الخلاف – من الاتفاق النووي إلى سياسة "الحد الأقصى من الضغط".

تعود جذور هذا الشرخ إلى قرار ترامب الأحادي في عام 2018 بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، وهو الاتفاق الذي كانت أوروبا -وتحديداً فرنسا وبريطانيا وألمانيا- قد استثمرت فيه بشكل كبير كمنصة للاستقرار الإقليمي ونموذج ناجح للدبلوماسية متعددة الأطراف.

عندما انسحب ترامب (واشنطن) وأعاد فرض العقوبات على إيران ، وجدت الدول الأوروبية نفسها في موقف بالغ الصعوبة؛ فهي ترفض منطق "الحد الأقصى من الضغط" الذي ترى فيه وصفة للتصعيد بدلاً من الحل، وفي نفس الوقت تجد نفسها عاجزة عن حماية شركاتها الاروبية من آليات العقوبات الأمريكية الثانوية؛ حيث تركت هذه التجربة جرحاً عميقاً في الثقة عبر الأطلسي الناتو، وجعلت الأوروبيين ينظرون إلى السياسة الأمريكية تجاه إيران على أنها متقلبة وقصيرة النظر وتخدم أجندات داخلية تصب في (مصلحة اسرائيل) أكثر مما تخدم الاستقرار الاستراتيجي.

ثانياً: اختلاف مصالح أوروبا بين القرب الجغرافي والمصالح الاقتصادية.

بينما تنظر واشنطن إلى الملف الإيراني من خلال عدسة الأمن القومي الأمريكي لحماية اسرائيل في المنطقة، والصراع مع "المحور الإيراني"، ترى العواصم الأوروبية الملف من زوايا مختلفة تماماً. فالقرب الجغرافي لأوروبا من الشرق الأوسط يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد عسكري، سواء من حيث موجات اللجوء الجديدة أو الهجمات الإرهابية المحتملة أو اضطرابات أسواق الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز.

كما أن للمصالح الاقتصادية الأوروبية في إيران وزناً مختلفاً، حيث كانت الشركات الأوروبية من أوائل المستثمرين في السوق الإيرانية بعد الاتفاق النووي، وما زالت العديد من الدول الأوروبية ترى في الحوار مع طهران سبيلاً لحماية مصالحها في المنطقة، وعليه هذا الاختلاف في الأولويات يجعل الأوروبيين ينظرون إلى سياسة "الحل العسكري والحرب" باعتبارها مغامرة غير محسوبة تهدد مصالحهم المباشرة دون أن تقدم بديلاً واضحاً.

ثالثاً: اختلاف الأساليب – لغة التهديد مقابل لغة الدبلوماسية.

يعكس الانقسام عبر (حلف الناتو الأطلسي) أيضاً اختلافاً منهجياً عميقاً في ثقافة التعامل مع الأزمات الدولية؛ فبينما يعتمد ترامب على لغة التهديد والمهل الوهمية والتفاوض من خلال التغريدات، تظل أوروبا متمسكة بالدبلوماسية التقليدية القائمة على الحوار المؤسسي، والتفاوض التدريجي، واحترام آليات الوساطة.

هذا الاختلاف ظهر بوضوح في تعامل الأوروبيين مع فضيحة "المهل الوهمية"، حيث لم تتبن العواصم الأوروبية الرواية الأمريكية، بل فضلت التعامل مع الوسطاء والإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وهناك بعض التسريبات الأوروبية تؤكد أن (باريس ولندن وبرلين) كانت على علم بعدم دقة الرواية الأمريكية، لكنها فضلت عدم الدخول في مواجهة علنية مع واشنطن، مكتفية بتأكيد موقفها الداعم للتهدئة ورفض المهلات غير الواقعية.

رابعاً: انعكاسات الشرخ على الملف الإيراني – عزلة أمريكية وتقارب أوروبي-إيراني.

هذا الشرخ العميق بين ضفتي الأطلسي لم يضعف فقط الموقف التفاوضي الأمريكي، بل منح إيران مساحة واسعة للمناورة؛ فطهران تدرك جيداً أن هناك فجوة قابلة للاستغلال بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وقد نجحت في استثمار هذه الفجوة عبر الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع العواصم الأوروبية، وتوجيه رسائل تطمينية حول استمرار التزامها بالاتفاق النووي (قبل التجاوزات التدريجية)، وتسويق نفسها كطرف "عاقل" في مواجهة "تهور" الإدارة الأمريكية.

كما أن استمرار آلية "إنستكس" (INSTEX)، وإن كانت محدودة الفعالية، كقناة مالية أوروبية للالتفاف على العقوبات الأمريكية، يعكس رغبة أوروبية في الحفاظ على حد أدنى من العلاقات الاقتصادية مع إيران، وحماية ما تبقى من الاتفاق النووي من انهيار كامل.

خامساً: مأزق أوروبي – بين الاستقلال الاستراتيجي والتبعية الأمريكية.

يعكس الموقف الأوروبي من الملف الإيراني الرافض للحرب الدائرة من تاريخ 28-2-2026 مأزقاً أكبر يتعلق بمشروع "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي". فمن ناحية، تريد أوروبا أن تكون فاعلاً مستقلاً في السياسة الدولية، قادراً على حماية مصالحها حتى عندما تتبنى واشنطن مساراً مختلفاً.

ومن ناحية أخرى، تظل أوروبا مرتبطة بالولايات المتحدة عبر تحالف عسكري وأمني وثيق هو (حلف الناتو)، وأيضا عبر علاقات اقتصادية وتجارية تجعلها عرضة للضغوط الأمريكية؛ هذا المأزق جعل الموقف الأوروبي من إيران يبدو في كثير من الأحيان متردداً ومتناقضاً ؛ فهو ينتقد الحرب الدائرة دون التشاور مع الحليف الاروبي" وكذلك اروبا لا تملك القدرة على تحييد تأثيرها، وهذا يدعم بقاء الاتفاق النووي لكنه عاجز عن تقديم بدائل عملية لإنقاذه بسبب الحرب، وبالطبع هذه الازدواجية أضعفت فعالية الدور الأوروبي، وجعلت أوروبا تتراوح بين كونها وسيطاً محتملاً وبين كونها متفرجاً عاجزاً في واحدة من أهم أزمات المنطقة.

ختاما،"فن الصفقة الترامبي" يعتبر فكرة تسويقية ذكية في عالم الأعمال، لكنه في عالم السياسة الدولية، حيث الحرب، ونزف الدماء، والمصالح الوطنية والردع الاستراتيجي، قد يتحول إلى "فن بناء الكذبة" الذي ينهار بمجرد أن تلامس حقيقة الميدان. وإن كان ترامب سيستمر في التفاوض مع خياله حتى السادس من أبريل 2026 أو بعد هذا الموعد، فإن الأكيد هو أن إيران، ومن خلفها معادلات الردع الإقليمي، قد نجحت في وضع "فن الصفقة" أمام أصعب اختباراته، عبر امتحان الصدق مع الذات قبل الآخرين.

في موازاة ذلك، كشف هذا الملف عن أن التحالفات التقليدية لم تعد قادرة على احتواء الانهيار في المصداقية الأمريكية، وأن أوروبا التي كانت لسنوات حليفاً أوثق لواشنطن،باتت تبحث عن مسار مختلف يعكس مصالحها المستقلة.

في النهاية، يبقى السؤال الأستشراف؛ هل سيتعلم صناع القرار في واشنطن أن الدبلوماسية الحقيقية لا تُبنى على "المهل الوهمية" و"الانتصارات المزيفة"، بل على قراءة صادقة للواقع واحترام متبادل لمصالح الآخر؛ وهل ستتمكن أوروبا من تحويل اختلافها مع واشنطن إلى فرصة لبناء دور أكثر استقلالية وفعالية في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً؛ أم أن المنطقة ستظل رهينة لطموح اسرائيل أن تصبح شرطي المنطقة ،ولطموح دورات انتخابية أمريكية تتلاعب بأمنها واستقرارها كورقة في لعبة سياسية داخلية، فيما تظل أوروبا عاجزة عن تحويل حسن نواياها إلى سياسات فاعلة.

ربما الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة بعد اشتعال شرارة الحرب في المنطقة، لكن ما يمكن تأكيده الآن هو أن "فن الصفقة" لم يعد قادراً على خداع أحد، وأن حقيقة الميدان سواء في طهران أو في بروكسل، تتحدث بصوت أعلى من أي تغريدة أو تصريح كاذب.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤