فلسطين: دولة قائمة تحت الاحتلال
فلسطين دولة قائمة رغم كل محاولات التشكيك والاستهزاء، فهي ليست مجرد فكرة أو مشروع مؤجل، بل واقع ملموس على الأرض. رئيس دولة فلسطين يُستقبل في الدول العربية والأجنبية كما يُستقبل أيّ رئيس دولة أخرى، ويشارك بالقمم والمؤتمرات الدولية بصفة رسمية، وهذا وحده دليل على الاعتراف بوجود الدولة. الحكومة الفلسطينية تمتلك وزارات مكتملة الهيكل التنظيمي، تؤدّي واجباتها بمجالات التعليم والصحة والإعلام والخدمات وغيرها، مثل نظيراتها في الدول العربية، كما أنّ الوزراء الفلسطينيين يستقبلون نظراءهم أو تتم دعوتهم رسمياً إلى الخارج، ورئيس الوزراء يلتقي يومياً بمسؤولين رسميين من دول ومنظمات دولية، في مشهد لا يختلف عن أيّ دولة أخرى.
فلسطين أيضاً تمتلك مؤسسات سيادية واضحة: أجهزة أمنية، سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية وإن تعطلت أحياناً لأسباب سياسية أو لوجستية، إضافة إلى العلم والنشيد الوطني وجواز السفر الفلسطيني المعترف به في العديد من الدول. الإعلام الرسمي والقنوات الفضائية والتلفزيون الوطني كلها مظاهر سيادية تعكس وجود الدولة، والاعتراف الدولي من أكثر من (130) دولة يعزّز مكانتها القانونية والسياسية على الساحة العالمية، ويبعد عنها صفة أنها مجرد سلطة محلية، بل كيان معترف به من قبل المجتمع الدولي. حتى الحدود الفلسطينية معترف بها دولياً، وإن كانت تحت السيطرة والقيود الإسرائيلية، إلا أنها قائمة في الوعي الدولي والقانوني. ومن أبرز مظاهر السيادة أيضاً أنّ لفلسطين مندوباً دائماً في الأمم المتحدة كباقي الدول، وأنها عضو بعدد كبير من المنظمات الدولية، ما يمنحها حضوراً رسمياً في المجتمع الدولي مثلها مثل أيّ دولة أخرى. ولا يمكن إغفال أنّ القدس الشرقية هي العاصمة الشرعية للدولة الفلسطينية وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، غير أنّها ما تزال تحت الاحتلال، وهو ما يجعل قضية السيادة أكثر إلحاحاً ووضوحاً.
ومع ذلك، فإنّ هذه الدولة منقوصة السيادة بفعل الاحتلال الذي يفرض قيوداً على الحركة ويعطل عمل بعض المؤسسات ويمنع ممارسة السيادة الكاملة على الأرض والموارد. لذلك فإنّ الخطاب الفلسطيني يجب أن يتغير، فلا نقول إننا نريد إقامة الدولة الفلسطينية، لأنّ الدولة قائمة بالفعل، بل نقول إننا نريد أن تصبح دولتنا كاملة السيادة وواضحة المعالم، وأن نتخلص من الاحتلال وتدخلاته وقيوده. هذا الخطاب يعكس حقيقة الوضع ويمنح الفلسطينيين قوة بالطرح السياسي والإعلامي، إذ يرسّخ فكرة أنّ فلسطين ليست مشروعاً مؤجلاً بل واقعاً يحتاج إلى التحرّر.
فلسطين دولة بكل المقاييس: مؤسسات، وزارات، أجهزة أمنية، علم، جواز سفر، إعلام رسمي، علاقات دبلوماسية، واعتراف دولي واسع. ما ينقصها هو السيادة الكاملة، وهذا ما يجب أن يكون محور النضال والخطاب السياسي والإعلامي. فلسطين دولة رغماً عن الجميع، لكنها تحت الاحتلال، والواجب أن نعمل على تحريرها لتصبح دولة كاملة السيادة.
والخاتمة الأهم أنّ هذه الدولة ليست مجرد مؤسسات ورموز، بل هي شعب صامد يمنحها معناها الحقيقي بإصراره على البقاء والتمسك بحقوقه، فالشعب الفلسطيني هو روح الدولة، وهو الذي يجعلها حاضرة وفاعلة رغم كل القيود، وسيبقى هو الضمانة الأكبر لاستمرارها حتى تنال سيادتها الكاملة.


