... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
200697 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7178 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

فجوة المتدين

العالم
النهار العربي
2026/04/17 - 09:46 501 مشاهدة

أحمد شهاب - الكويت 

 

 

ثمة إشكال جوهري في طبيعة العلاقة بين الانسان والممارسة الدينية، يتجلى في الفجوة بين أداء الشعائر والتزام مقتضياتها الأخلاقية. وهذا الإشكال لا يتصل بالدين ذاته، وإنما بكيفية تعاطي الناس معه، وتحويلهم إياه إلى طقوسٍ منفصلة عن السلوك اليومي.

النصوص التأسيسية في القرآن تشدد على الصلة الوثيقة بين العبادة والسلوك، وتجعل الغاية من العبادة تهذيب الإنسان، بحيث يقول تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ". والآية هنا لا تصف الصلاة بكونها مجرد حركات، وانما تصفها بفعلها وأثرها عليه، الصلاة هنا ناهية، فإن لم تنه الصلاة صاحبها عن المعصية، فقد خلت من جوهرها.

هذه الفجوة بين الشعيرة والسلوك ليست وليدة العصر الحديث، فقد عرف التاريخ الإسلامي نماذج من المنافقين الذين كانوا يصلون ويصومون مع النبي ﷺ، لكنهم كانوا يضمرون له وللمسلمين الشر، وعرف نماذج من الخوارج الذين كانوا يجتهدون في العبادة حتى تحجرت قلوبهم واستباحوا دماء المسلمين. 

وقد اعتبر الباحثون هذا الفصام بين الشعيرة والسلوك استثناءً عن القاعدة، وظل المسلمون ينتقدون مثل هذه السلوكيات ويذمون اصحابها، أما اليوم فقد تحول الاستثناء إلى قاعدة، وتضخم الشكل على حساب المضمون بشكلٍ غير مسبوق. 

ويبدو أن العوامل الحديثة ساهمت في تفاقم المشكلة، حين تحولت العبادات إلى هوياتٍ اجتماعية، وصار الذهاب إلى المسجد إعلان انتماء، وحفظ القرآن مدخلاً لتحصيل المكانة الاجتماعية، وتحول التدين إلى صناعةٍ لها نجومها ومنتجاتها ومواسمها التسويقية، وأصبحت للدعاة والخطباء قائمة أسعار "منيو" بحسب جودة الصوت وجمال الصورة.

المشكلة ليست فردية فحسب، وانما لها امتداد اجتماعي وثقافي، فالمجتمع نفسه ساهم في تعميق هذه الفجوة من خلال معاييره المضطربة في تقييم المتدين والملتزم، فهو يُقيَّم الشخص بعدد ركعاته لا بأخلاقه مع الناس، وتكرم المرأة لحفظها القرآن لا بحسب معاملتها الحسنة مع من يختلفون معها، هذه المعايير المقلوبة تغذي استمرار الظاهرة.

لكن في خضم هذا الواقع المأزوم، يبرز بعض التجارب الإيجابية التي تحاول إعادة الاعتبار الى العلاقة الجدلية بين الشعيرة والأخلاق. ففي الأحياء الشعبية بالقاهرة، على سبيل المثال، نشطت مبادرات مثل "عيال الحي" التي يديرها شباب من حفظة القرآن، يجمعون الأطفال لتحفيظهم كتاب الله، لكنهم في الوقت نفسه يعالجون مشكلاتهم النفسية والاجتماعية، ويكونون جسوراً بين الأسر والمدارس. وفي العراق، هناك تجارب لمجالسٍ دينية تحولت إلى منصاتٍ لحل النزاعات العائلية والإصلاح بين الأزواج.

ومن الروائع أن جائحة كورونا كشفت عن نماذجٍ مماثلة في مناطق مختلفة، كما حدث في شرق المملكة العربية السعودية حين تحولت أموال احتفالية "ناصفة شعبان" - وهي مناسبة اجتماعية اعتاد الناس فيها شراء الحلويات والاحتفال - إلى تبرعاتٍ للعائلات المتضررة من الجائحة، وأطلقت جمعيات خيرية مبادراتٍ تحمل أسماء معبرة مثل "تكاتف" و"احنا وياكم عون"، لتؤكد أن فرحة المناسبة يمكن أن تبقى ولكن في مسار تعزيز التكافل ومساندة المتضررين من العمالة اليومية غير المسجلين في الضمان الاجتماعي.

إن تمثل القيم يعني أن يتكاتف المقتدرون مادياً والتجار لمساندة المجتمع، مثل أن يبادروا الى خفض أسعار المواد الغذائية وتوفيرها في أوقات الحروب والازمات بدلاً من رفع الأسعار واستغلال حاجة الناس. 

إن دفع الناس الى قيم الدين بدلاً من قشوره يحتاج إلى مقاربةٍ متعددة المستوى. فعلى مستوى الخطاب الديني ينبغي التحول من التركيز على الشكل إلى المضمون. وعلى مستوى المؤسسات التعليمية يجب إعادة صياغة مناهج التربية الدينية لتربط العبادة بالسلوك. وعلى المستوى الفردي، ثمة ضرورة لإحياء ثقافة المساءلة الاجتماعية التي تعيد الاعتبار الى الأخلاق كمعيارٍ أساسي للتقييم.

وهذا لا يعني أننا ندعو الى التوقف عن الشعائر، بل المطلوب استعادتها كمواقفٍ اخلاقية لا كأغلال، فالصلاة التي ترفعها إلى السماء يجب أن تهبط بك إلى الأرض إنساناً أفضل، والقرآن الذي ترتله بلسانك ينبغي أن يقرأه الناس في أفعالك وتصرفاتك، ومن أقام شعائره في المساجد وهدمها في البيوت والشوارع عليه أن يعيد حساباته من جديد.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤