🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
827,189 مقال 403 مصدر نشط 224 قناة مباشرة 5,807 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

فايز من جباليا: عن جرح لا يراه الأطباء

صحة
حبر
2026/06/10 - 10:33 502 مشاهدة

استيقظتُ في الواحدة فجرًا مذعورًا على صوت هاتفي. تلقفتُه بسرعة، ونظرتُ إلى الشاشة: محمد الحو يتصل بك. فتحتُ الخط، فإذا بصوت طفلٍ يصرخ، ثمّ بعد ثوانٍ قليلة، جاء صوت محمد: «إياد، اتصل بالإسعاف حالًا، فايز حرارته 40 ويتألّم بشدة».

اتصلتُ بالإسعاف على الفور، وصعدتُ إلى الطابق السادس من بنايتنا، حيث يسكن محمّد. في بيتهما، وجدتُ فايز، الطفل الذي لم يتجاوز عامه الثالث عشر، يتلوّى من الألم، ممسكًا بساقيه الملفوفتين بالقماش الطبي، ووالده يقف فوق رأسه. قال لي: «أحاول منذ المساء خفض حرارته بالكمادات دون جدوى».

أخذني الأب خارج الغرفة، وأخبرني بصوت منخفض: «عادةً ما يستيقظ بالليل مرعوبًا بسبب الكوابيس، لكنّ الأمر مختلف هذه الليلة. هذه الحمى… لا أفهم سببها».

أخبر الأب المسعفين أن ابنه فايز مصاب من الحرب في غزة، وقد أُجريت له هنا في لوكسمبورغ عدة عمليات جراحية في ساقيه، وكانت حالته مستقرة. ومنذ أسبوعين خرج من المستشفى والتحق بالمدرسة، لكنّه هذه الليلة يعاني آلامًا شديدة وارتفاعًا كبيرًا في الحرارة، قبل أن ينقلوه إلى المستشفى.

رحلة الألم تبدأ من الوريد

حاولَ الممرضون في الطوارئ السيطرة على ألم فايز بالمسكنات. طلبوا سحب عيّنة دم للفحص، وعند محاولتهم فعل ذلك فشلوا مرارًا. أخبرهم الأب: «من الصعب جدًا أن تفعلوا ذلك بالطريقة التقليدية، هو يحتاج إلى جهاز تصوير يساعدكم على تحديد مكان الأوردة في ذراعيه».

ثمّ همس في أذني: «كنا نغضب من الأطباء في غزة لأنهم كانوا يملؤون ذراعيْ فايز بالثقوب قبل الوصول إلى الوريد. نكتشف الآن أنّنا كنّا نظلمهم». بعد محاولات عديدة فاشلة، اضطر الممرضون إلى سحب عينات الدم من أصابع يده.

أثناء ذلك، سألتُ محمد عن سبب إصابات فايز. قال: «قُصف منزل العائلة في مخيم جباليا. كنتُ أنا وأسرتي وإخوتي وأبناؤهم ووالدي في المنزل نفسه. استشهد والداي وثلاثة من إخوتي مع زوجاتهم وأبنائهم. أُصبنا جميعًا، أنا وزوجتي وأطفالي، وكانت إصابة فايز الأصعب، إذ تعرّض لتهتك شديد في عظام ساقيه. وبسبب عدم وجود رعاية صحية مناسبة، أُصيب بغرغرينا العظم، حتى اضطر الأطباء إلى إدراج اسمه في قائمة انتظار البتر».

في اليوم التالي، تواصلتُ مع محمد للاطمئنان على فايز، وعلمتُ أن آلامه وارتفاع حرارته ليلة أمس كانا نتيجة التهابات شديدة في ساقه اليمنى، وذلك بسبب عودة انتشار البكتيريا، ما أدى إلى انتكاسة جديدة استدعت بقاءه في المشفى لعدة أشهر أخرى، لتلقّي جرعات جديدة من المضادات الحيوية وإجراء عمليات إضافية.

فجر السادس من كانون الأول

بعد أسابيع، التقيتُ أبو نضال في منزله، وتحدّثنا مطوّلًا عمّا مرّ به هو وأسرته خلال حرب الإبادة في غزة. وهنا أنقل شهادته، التي يروي فيها ما حصل مع عائلته منذ قصف بيتهم في جباليا وحتى ما بعد وصوله إلى لوكسمبورغ لاستكمال علاج ابنه.

«فجر السادس من ديسمبر 2024، كنا أنا وزوجتي فاطمة وابني فايز قد صلينا الفجر للتو، في منزل العائلة في مخيّم جباليا. كنا نسكن الطابق الثالث من عمارة يسكن طوابقها السفلية إخوتي ووالداي. قبل أن أعود إلى الفراش، مررتُ لتفقّد باقي الأولاد؛ كان نضال ينام في إحدى زوايا المنزل، وزوجتي فاطمة وابنتي ليا في غرفة بعيدة قليلًا، وأنا وفايز في غرفة أخرى. كنا نوزّع أنفسنا وننام في أماكن متفرّقة، على أمل أن ينجو أحدنا إن قُصف المنزل. استلقيتُ، وكان فايز كعادته طوال أيام الحرب، ينام واضعًا ذراعه على صدري، ضامًا جسده الصغير إلى جسدي، باحثًا عن الأمان. نظرتُ إلى الساعة، كانت الرابعة وخمسًا وعشرين دقيقة. كان البيت غارقًا في الظلام، إلّا من ضوء صغير خافت وضعناه على الأرض. فجأةً رأيتُ كرة برتقالية تسقط من السماء، ثم دوّى انفجار هائل. شعرتُ بحرارة تضرب جسدي، وسمعتُ صراخ فايز، ثمّ غاب كل شيء.

بعد أسبوع، استيقظتُ لأجد جسدي مغطّىً بالشاش الأبيض، ورأسي ملفوفًا بالضمادات. أدركتُ حينها أنني في المشفى. أول كلمات خرجت من فمي كانت: وين أهلي؟

في مستشفى كمال عدوان، كان الجيران والأصدقاء من حولي يحاولون طمأنتي بأن أهلي بخير. لكن، ومع مرور الأيام، لم أرَ أحدًا منهم. وبعد إلحاح شديد صارحني أحد الجيران بالحقيقة، وقالها لي مباشرةً، وعلى دفعة واحدة: أبو نضال، زوجتك وابنتك في مستشفى الشفاء، إصاباتهما خفيفة. فايز كان هنا وغادر مع الهلال الأحمر قبل أيام إلى مستشفى الشفاء، يعاني من إصاباتٍ في ساقيه. نضال أيضًا بخير، وهو في أحد مستشفيات مدينة غزة. البيت دُمّر بالكامل، ومن وصل بعد القصف كان حوالي ستة إلى سبعة شهداء، بينهم أطفال ونساء، لم نتمكن من معرفة هوياتهم، ودفنّاهم معًا.

رغم أن الأمر صادم جدًا، إلّا أنني لم أستوعب حجم الكارثة فعلًا، ولذا كنت أسأل بعدها مرارًا: ماذا عن أبي وأمي؟ 

مرّت الأيام، واشتدّ الحصار على المستشفى. اقترب صوت جنازير الآليات، وعلا صوت القنابل التي سقط بعضها داخل المستشفى. حاولتُ الخروج أكثر من مرة لأطمئن على زوجتي وأطفالي، لكنّ ذلك كان مستحيلًا، ومُنعتُ بالقوة.

وفي السابع والعشرين من كانون الثاني، أخرجَنا جيش الاحتلال بالقوة، بعد اعتقال عدد من الأطباء، بينهم مدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية. وُضِعتُ على نقالة، ونُقلتُ بالإسعاف برفقة سبعة مصابين. وكانت تلك أول مرة أخرج فيها من مخيم جباليا منذ بدء الحرب.

اللقاء الأول بعد الكارثة

التقيتُ فايز لأول مرة بعد الحادث في التاسع والعشرين من كانون الثاني في مستشفى الحلو. دخلتُ المشفى وتوجّهتُ إلى غرفته. رأيته ممددًا على السرير ساقاه ملفوفتان بالشاش الطبي، وفي ساقه اليمنى مثبتّات معدنية. عندما التقت أعيننا، نظر كلٌّ منا إلى الآخر من بعيد، ثم بدأ فايز بالبكاء الشديد. لم أستطع التحرّك من مكاني لثوانٍ. صُدمتُ من منظر ساقيه، أما أنا فكان وجهي حينها مليئًا بالجروح، وعيناي منتفختين، ورأسي ملفوفًا بالضمادات. تقدمتُ نحوه بعد أن دفعني أحد الأصدقاء لأقترب أكثر. شعرتُ وكأنّ فايز كان خائفًا ومصدومًا من مظهري. احتضنتُه بقوة. قبّلتُه، وبكيتُ حينها للمرة الأولى.

سألني فايز: «وين أمي؟ عايشة؟». أخبرته أنها بخير، وأنني ذاهب لرؤيتها بعد قليل. سألني عن إخوته، وطمأنته أنهم جميعًا بخير. جلستُ عنده لدقائق، ثم أوصيته أن يبقى قويًا، وأنني سأعود إليه بعد أن أطمئن على والدته وإخوته. غادرتُه وأنا مصدوم مما أصابه. لم أتخيل يومًا أن أرى ابني بهذه الحالة. بدا الأمر كابوسًا طويلًا لا أستطيع الاستيقاظ منه. أراد فايز أن يصبح لاعب كرة قدم، وكان مميزًا جدًا في الأكاديمية الرياضية، وكان مدربه يؤكد دائمًا موهبته. الآن، بعد هذه الإصابات الشديدة في ساقيه، تساءلت: هل سيتمكن يومًا من لعب كرة القدم مجددًا!

أُجريت لفايز أولى عملياته في مستشفى الشفاء، قبل نقله إلى مستشفى الحلو. أتذكر ما رواه لي عن هذه العملية: «كنت صاحي لما دخلوني العملية. حكولي الدكاترة: ما تخاف، إنت بطل، جاي من جباليا، وحتتحمل. بس كذبوا عليّ يا بابا. ثبتوني بإيديهم، وقالوا إنهم بيعطوني مخدر، بس ما أعطوني. حسّيت كأنهم بيحفروا بآلة في رجلي، وصرت أصرخ من الوجع، وبعدين ما حسّيت بشي. صحيت ولقيت رجلي كلها حديد».

عاش ابني أربعة أشهر من الألم ونقص الدواء في مستشفى الحلو، والذي خُصِّص لمصابي العظام. وكنتُ مرافقًا له طوال هذه الفترة، شاهدًا على العذاب الذي كان يحياه.

كان أكثر ما يحتاجه المضادات الحيوية لمحاولة إيقاف انتشار البكتيريا، خاصةً في ساقه اليمنى. لكن بسبب منع الاحتلال دخول الأدوية، إلى جانب الأعداد الهائلة من المصابين في قطاع غزة، شهدت الأدوية وخاصةً المضادات الحيوية، استنزافًا شديدًا. ونظرًا لعدم توفرها بالكميات اللازمة، أُصيبت ساق ابني اليمنى بغرغرينا العظم، ما دفع الأطباء إلى وضع اسمه على قائمة منتظري عمليات البتر.

عودة الأمل

كانت الخطة أن تجرى عملية بترٍ لساق فايز اليمنى بداية نيسان 2025، لكن زيارة واحدة غيرت كل شيء. إذ جاء وفدٌ من منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر إلى المستشفى، وبعد تفقدهم لحالة فايز، رأيتهم يتناقشون مع الأطباء في المستشفى عن حالته.

سألتُ الطبيب حينها عن سبب الزيارة، فأخبرني أنه أمر روتيني تجريه منظمة الصحة العالمية داخل المستشفيات في غزة. لكن في اليوم التالي، حضر إليّ الطبيب، وسألني: «منظمة الصحة العالمية طلبت موافقتك على تسليم ملف فايز لتسجيله للسفر واستكمال العلاج في الخارج». وافقتُ فورًا دون تردد، حتى إنني استغربت من سؤال الطبيب لي! 

يمكنني أن أقول لك إن تلك اللحظة هي ما أعادت الأمل لنا جميعًا بأن فايز يمكنه أن يقف على قدميه مرة أخرى. وطلبتُ مباشرةً إلغاء موعد عملية البتر.

طريق الخروج من غزة

في السادس من نيسان، تلقّيتُ اتصالًا من منظمة الصحة العالمية يخبرني أنه يجب على فايز ومرافق واحد معه، والده أو والدته، التواجد صباح الغد في مستشفى الشفاء. اتفقنا حينها على أن أرافق فايز في هذه الرحلة.

صباح اليوم التالي، انطلقتُ وفايز بالباص مع عدد من المصابين ومرافقيهم، برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر، في طريقنا للخروج من قطاع غزة. وعند الساعة الواحدة ظهرًا، أوقفنا جيش الاحتلال على معبر كرم أبو سالم. أنزلونا جميعًا للتفتيش، وفصلوا فايز عني. دخلتُ غرفةً للتفتيش اليدوي. أخذوا مني كل أغراضي الشخصية وأتلفوها. ومن ضمن هذه الأشياء كان هاتفي، حيث تساءل أحد الضباط مستغربًا: لماذا تحمل هذا الهاتف؟ ألم نخبركم أنه ممنوع؟ فأجبته: لأنني أريد أن أطمئن أسرتي. فأجابني الضابط: لا تقلق، سوف نرسل لك زوجتك وأبناءك!

ثم أخذ يفتّش هاتفي ويسألني عن صور أهلي الشهداء. فأخبرته: هذا أبي، وهؤلاء إخوتي. لقد قُتلوا جميعًا. لقد قصفتم علينا المنزل. أخذ الهاتف وأتلفه. ثم أدخلوني في ممرات وصناديق معدنية وزجاجية للفحص والتدقيق. ثمّ خرجتُ وجلستُ في قاعةٍ أنتظر فايز الذي خضع بدوره لتفتيش مشابه.

ركبتُ مع فايز في سيارة إسعاف ننتظر مع باقي المصابين. تحرّكنا نحو مطار رامون في إيلات. وقبل أن يتحرّك الإسعاف، أتانا رجلان بلباس مدني. علمتُ لاحقًا أنهما ضابطان في جيش الاحتلال. دخلا سيارة الإسعاف، وبعد أن تأكدا من هويتنا، قال أحدهما لي: «إن شاء الله تروح تعالج ابنك ويصير أحسن. أمامك فرصة ذهبية. غزة كلها دمار وموت. فكّر جيدًا بمستقبلك ومستقبل أبنائك. فرصة لابنك أن يحصل على تعليم جيد، لا أن يصبح إرهابيًا! لا تفكر في العودة إلى غزة أبدًا، وإذا عدت سوف تموت. غزة كلها موت». ممررًا إصبع الإبهام على رقبته، في إشارةٍ إلى القتل.

بعد هذا الحوار الذي جرى أمام فايز، انطلقت الإسعاف مسرعةً في طريقها إلى المطار، سالكة طرقًا عسكرية بعيدة عن المدن. من شباك السيارة، كنت أرى أراضي فارغة إلا من لافتات تخبرنا كم نبعد عن إيلات. لم يكن الطقس باردًا، لكنني شعرتُ بقشعريرة تدهم جسدي مرةً واحدة. لقد ابتعدت غزة أكثر وأكثر. كنت أحدّث نفسي وأتساءل: كيف حدث كلّ هذا لنا؟ لماذا يُسرق وطننا وتُدمّر ذاكرتنا بهذه الطريقة؟ متى سأرى أطفالي وزوجتي مجددًا؟ لقد سرقوا منا كل شيء… حتى أحلام أطفالنا.

رحلة العلاج في لوكسمبورغ

في مساء التاسع من نيسان، وصلنا إلى لوكسمبورغ. كان كل شيء يبدو مختلفًا: مطار هادئ، ووجوه مبتسمة ترحب بنا. استقبلنا فريق من الصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، ثم نُقلنا أنا وفايز بالمروحية إلى المستشفى.

بعد أيام قليلة، أجرى فايز أولى عملياته الجراحية. تفاجأ الأطباء من حجم انتشار البكتيريا في ساقه اليمنى، فاضطروا إلى إزالة 12 سم من عظم الساق اليمنى وتنظيف الأنسجة التالفة، وإعطائه جرعات مكثفة من المضادات الحيوية، متوقعين أن ينمو العظم مرةً أخرى، ومحاولين أيضًا ألّا يُحدث كلّ ذلك قِصرًا دائمًا في الساق.

لقد وضع الأطباء خطةً طويلةً ومعقّدةً من عدّة عمليات جراحية، تمّ شرحها لي، وشعرتُ حينها أنه من الممكن فعلًا أن أرى فايز من جديد يقف على قدميه.

عانى فايز انهيارًا وضعفًا جسديًّا شديدين. لم يكن المرض وحده من يفتك به، وإنما أشهر طويلة من الجوع ونقص المكملات الغذائية فعلت فيه فعلتها. لكن ومع العناية المكثّفة تعافى سريعًا، ما أتاح للأطباء أن يستكملوا خطّتهم. 

أجرى ابني سبع عمليات خلال عام واحد، معظمها في العظم، ومنها عمليات نقل عظم من الحوض إلى الساق، وزرع مثبتّات معدنية داخلية، في انتظار نمو العظم من جديد.

جرحٌ لا يراه الأطباء

كان فايز، حينما يشعر بالألم الشديد، خصوصًا بعد العمليات، يفتقد والدته كثيرًا ويتمناها بقربه. وكان هذا يشكل عبئًا نفسيًا وجسديًا هائلًا عليّ، حيث كنت أحاول أن أعوض ولو جزئيًا غياب والدته عنه.

ورغم أنه انقطع عن الدراسة لمدة عامين تقريبًا، وقضى أكثر من تسعة أشهر في المستشفى، إلا أنه كان يتابع دروسه المدرسية من داخل المستشفى، ويحاول أن يطوّر لغته الفرنسية بشكل مستمر، ويمارس هوايته في الرسم أيضًا.

في تشرين الأول الفائت، عاد فايز إلى المدرسة من جديد، لكنّه اضطرّ للانقطاع عنها مجددًا، فبدأت حالته النفسية تتدهور بسرعة، حتى إنه كان يرفض الالتزام بجلسات العلاج الطبيعي، ويرفض تناول أدويته، وقام بتمزيق بعض اللوحات التي رسمها.

يمكنني أن أخبرك أنّ تدهور حالة فايز النفسية لم يكن فقط نتيجةً لما يعانيه داخل المستشفى، بل أيضًا بسبب شعوره بالحزن والأسى على الوضع الإنساني الصعب لأسرتنا في غزة، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء، وهم يسكنون خيمة غمرتها مياه الأمطار عدة مرات.

كان فايز على تواصل دائم مع إخوته ووالدته، مطّلعًا على تفاصيل المعاناة اليومية التي يعيشونها هناك، حتى لو حاولوا إخفاء بعضها عنه. لقد كان يتابع أخبار غزة باستمرار عبر هاتفه الشخصي.

ربما عنى الخروج من غزة في تلك اللحظة بالذات، إنقاذًا لفايز، على المستوى الجسدي على الأقل، وهو الذي كان في انتظار عملية لبتر قدمه. لكن ما مرّ به هذا الطفل، وما نتج عنه من حالة نفسية غير مستقرة، أبعد من أن يوصف باضطراب ما بعد الصدمة الذي شُخّص به من قبل أحد الأطباء النفسيين هنا في لوكسمبورغ. فهذا الطفل لا يزال يعيش الصدمة، ولا تزال حواسه عالقةً هناك في جباليا، لم تغادرها.

لا يزال فايز يستيقظ مذعورًا من الكوابيس، وأحيانًا يحاول الاختباء أو الاحتماء بأيّ شيء عند سماع صوت أي طائرة تحلّق في سماء لوكسمبورغ. فهذا الصوت يشحن حواسه فورًا بأصوات الطائرات التي كانت تلقي حممها على منزله ومخيمه جباليا.

الشفاء في حالة فايز ليس عملية جراحية تنتهي بإغلاقها بخيط طبي، لكنّها محاولةٌ مستمرةٌ لإعادة طفل إلى عمره الحقيقي: «أن يقلق بشأن إنجاز واجباته المدرسية، لا على حال خيمة عائلته تحت المطر. أن يضع ذراعه على صدر والده ليلًا طالبًا الحنان، وليس خوفًا من صاروخ. أن ينتظر مباراة كرة قدم، لا عملية تُقصّ بها عظام ساقه»».

فجر جديد

خرج فايز من المستشفى أخيرًا في بداية شهر شباط، بعد أن أقام فيه ما يزيد عن تسعة أشهر. يأمل والده أن تتحسّن حالته النفسية سريعًا، خصوصًا مع عودته إلى المدرسة وممارسة هوايته في الرسم. ولا يزال يحضر جلسات العلاج الطبيعي التي ستستمر لفترة طويلة معه، في رحلة استشفاء قد تمتدّ لعدة سنوات قادمة، أملًا بأن يقف على قدميه مجددًا.

سألتُ أبو نضال، في نهاية لقائنا، عمّا يواسيه ويبثّ في نفسه الأمل بتحسّن حال طفله، وكيف يتحمّل كل هذا العبء الجسدي والنفسي الكبير، سواءً في الاعتناء بفايز، أو في محاولة مساعدة أسرته في غزة. أجابني وهو يشيح بنظره بعيدًا، وكأنه يحاول أن يلتقط شيئًا من الذاكرة، ثم يعود لينظر إليّ ويخبرني بتلك الكلمات البسيطة التي كانت والدته تواسيه بها، هو وإخوته وأحفادها، أثناء جلساتهم الأخيرة خلال حرب الإبادة. كانت تقول، وهي التي لا يزال جثمانها عالقًا هناك تحت أنقاض منزلهم في مخيم جباليا: «بُكرة فجر جديد».

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free