فائض 2025 “محاسبي” لا تنموي.. دراسة: موازنة سورية تعتمد على “الجباية” والركود يهدد العدالة
أصدر المركز السوري لبحوث السياسات ورقة بعنوان”المالية العامة في سوريا: “فائض محاسبي على حساب التنمية والعدالة الاجتماعية”.
سلطت الضوء على أن فائض موازنة 2025 كان محاسبياً أكثر منه تنموياً، في ظل اقتصاد راكد يعتمد على الرسوم والجمارك، مع تراجع الاستثمار العام واتساع الفجوات داخل الجهاز العام نفسه. كما تدعو الورقة إلى إعادة بناء المالية العامة على أساس العدالة والشفافية، وتعزيز الاستثمار المنتج والحماية الاجتماعية، بعيداً عن سياسات الجباية والانكماش التي تعيد إنتاج التفاوت. وتم إعداد هذه الدراسة من فريق المركز السوري لبحوث السياسات، بمساهمة الباحثين الاقتصاديين “زكي محشي ومحمد علبي”.
كشفت الورقة التي حصلت عليها “الوطن” من تبرير رفع الدعم الواسع، والتوسع في الرسوم، وطرح المؤسسات العامة للاستثمار أو البيع، بحجة ضيق الموارد وشح الإيرادات، إلى تقديم تحقيق فائض في موازنة عام 2025 بوصفه إنجازاً استثنائياً ومؤشراً على سلامة الإدارة الاقتصادية.

غير أن الفائض المالي في حد ذاته لا يمثل دليلاً على الكفاءة، ولا على جودة السياسة المالية، ولا على متانة التحول المؤسسي الجاري. ففي اقتصاد يخرج من نزاع ممتد، وتآكلت فيه القاعدة الإنتاجية، واتسع فيه الفقر، وضعفت بنيته التحتية، لا تُقاس كفاءة المالية العامة بقدرتها على مراكمة رصيد محاسبي موجب فقط، بل بقدرتها على توجيه الموارد بما يدفع النشاط الاقتصادي، ويحمي الفئات الأكثر هشاشة، ويعيد بناء الثقة والعقد الاجتماعي.
أداء الاقتصاد والفائض المالي
تشير تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات إلى أن عام 2025 لم يشهد سوى نمو هامشي للغاية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بلغ نحو 3 بالمئة مقارنة بعام 2024، ما يعني أن الاقتصاد بقي عملياً في حالة ركود، وأن الفائض المتحقق لم يكن نتيجة نمو إنتاجي واسع، بل جاء في سياق ضغط الإنفاق العام الحقيقي وتآكل الدعم وتراجع الاستثمار العام، والاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية.
في مثل هذه الظروف، كان يفترض أن تضطلع المالية العامة بدور توسعي يدعم الاستثمار والأجور والبنية التحتية والخدمات الأساسية ويقلص التفاوت، إلا أن الاتجاه الفعلي سار في الاتجاه المعاكس، إذ ضعفت مساهمة المالية العامة في تحفيز الطلب وحماية القدرات الإنتاجية والاجتماعية.
الإيرادات والنفقات
تظهر الأرقام الرسمية أن الإيرادات الفعلية في عام 2025 بلغت 3.493 مليارات دولار أمريكي، والنفقات 3.447 مليارات دولار، بفائض طفيف يقارب 46 مليون دولار. بالمقابل، ترتفع موازنة 2026 إلى 10.516 مليار دولار من النفقات مقابل 8.716 مليارات دولار من الإيرادات، أي بعجز مقدر يبلغ 1.799 مليار دولار.
وتشير نسخة المواطن لموازنة 2026 إلى أن 60 بالمئة من الإنفاق مقدر كنفقات جارية، و13 بالمئة للدعم والضمان الاجتماعي، و27 بالمئة فقط كنفقات استثمارية.
كما يظهر أن نحو 50 بالمئة من الإيرادات المتوقعة ستأتي من الضرائب والرسوم والجمارك، و28 بالمئة من النفط والغاز، و22 بالمئة من إيرادات أخرى، بما في ذلك عوائد الاستثمارات للدولة وفوائض المؤسسات الاقتصادية والمنح، وهذا يعني أن جوهر التحول في 2026 هو اتساع حجم الموازنة، من دون حدوث انتقال نوعي واضح نحو قاعدة ضريبية أكثر عدالة، أو مصادر تمويل أكثر استدامة، أو إنفاق تنموي أكثر كفاءة.
هيكلية الإنفاق
تكشف بنية موازنتي 2025 و2026 استمرار غلبة الإنفاق الجاري، وتراجع القدرة الفعلية للمالية العامة على القيام بدورها التنموي، ففي عام 2025 استحوذ بند الرواتب والأجور والتعويضات على نحو 41 بالمئة من إجمالي النفقات، تليه النفقات التحويلية بنسبة 25 بالمئة، ثم النفقات التشغيلية بنسبة 22 بالمئة، بينما لم تتجاوز النفقات الاستثمارية 7 بالمئة.
في موازنة 2026، وعلى الرغم من إبراز الحكومة لزيادة الإنفاق على القطاعات الاجتماعية، تخصص نسخة المواطن نحو 3.5 مليارات دولار، أي 33 بالمئة من إجمالي الإنفاق المقدر، لأنشطة الدفاع والأمن الوطني، مقابل 4.353 مدمر يعاين فجوة إعادة إعمار هائلة وضعف شديد في الاستثمار العام.
الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية
على صعيد الإيرادات، تظهر بنية موازنة 2025 اعتماداً مرتفعاً على الجباية غير المباشرة، إذ شكلت الرسوم الجمركية وحدها 39% من إجمالي الإيرادات، في حين شكلت الضرائب والرسوم غير الجمركية 31%، أي ما يقارب 70% من الإيرادات مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالاستهلاك والتجارة والاستيراد.
وفي موازنة 2026، رغم إدخال النفط والغاز وعوائد استثمارات الدولة كمصادر أكبر، لا يزال بند الضرائب والرسوم يناهز 2.5 مليار دولار، والرسوم الجمركية 1.9 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الإيرادات المتوقعة مجتمعة.
وهذا يعني أن العبء المرتبط بالاستهلاك لم يرتفع فعلياً، بل اتسع من حيث القيمة المطلقة، مع بقاء غموض كبير حول الوزن النسبي للضرائب المباشرة على الأرباح والثروة داخل هذه البنية.
من الدعم إلى فائض محاسبي بلا أثر إنتاجي
ويتعزز هذا الطابع الرجعي عبر ملف الدعم، حيث أدت متابعة سياسة تحرير الأسعار المعتمدة منذ عقود، والتي تعززت في فترة النزاع، إلى تحول الدعم الإجمالي إلى فائض صاف بلغ 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 و12% في 2025، بينما بلغ فائض الدعم خارج الموازنة 3.7% و13.9% من الناتج في العامين المذكورين على التوالي.
وبذلك يصبح جزء أساسي من “الفائض” المالي وليد تحويل الدولة من داعم للأسعار والخدمات الأساسية إلى محقق فوائض من الكهرباء والمحروقات وسائر حوامل الطاقة، وليس نتيجة توسع في القاعدة الإنتاجية أو تحسن في عدالة الجباية.
كما أظهر التقرير المالي أن إيرادات 2024 الفعلية بلغت نحو 777 مليون دولار، مع اعتماد ريعي واضح على النفط الذي شكل نحو ثلثي الإيرادات، ثم الجمارك، بينما بلغت النفقات الفعلية نحو 790 مليون دولار.
وعلى الرغم من أن توسع سيطرة الحكومة في 2026 على دير الزور والرقة من شأنه أن يضيف موارد نفطية وزراعية مهمة، فإنه يفرض في الوقت ذاته التزامات أوسع تشمل السكان والخدمات والتنمية في هذه المناطق، مما يبرز تشظي المالية العامة وغياب آليات التوحيد والشفافية والمساءلة.
منظور الاقتصاد السياسي
تستند القراءة إلى منظور الاقتصاد السياسي النقدي، الذي يرى أن السياسة المالية في سياقات النزاع وما بعده ليست مجرد مسألة توازنات حسابية، بل ساحة لإعادة توزيع القوة والموارد والشرعية.
تشير المقارنة إلى أن النزاع يضغط على القاعدة الضريبية، ويدفع باتجاه الإيرادات السهلة التحصيل مثل الجمارك والضرائب غير المباشرة، ويجعل الموازنة عرضة للتشظي، والتدفقات خارجها، والخصخصة المتسارعة.
كما تؤكد هذه الدراسة أن التقشف، ورفع الدعم، وخصخصة الأصول العامة في بيئات ضعيفة الشفافية، لا يحقق استقراراً مستداماً، بل يعيد إنتاج البنى الاقتصادية والاجتماعية بأدوات جديدة، مع استمرار تأثير السياسات المالية على الفئات الأكثر هشاشة، وإعادة توزيع الموارد على حساب العدالة الاجتماعية.
الخطر السياسي للسياسات المالية
وتخلص الورقة إلى أن الخطر السياسي لا يكمن فقط في ضيق الإنفاق أو ضعف الموارد، بل في اتجاه إعادة تشكيل المالية العامة ..وعليه، فإن البديل المطلوب لا يقتصر على “تحسين الإدارة” فحسب، بل يستلزم إعادة توجيه السياسة المالية نحو أهداف واضحة، تشمل:
– تنشيط القطاعات الإنتاجية والمساهمة في إعادة الإعمار.
– دعم الفئات المتضررة من الحرب والفقر وحماية الأجور الحقيقية.
– استعادة الاستثمار العام وتعزيز دوره في التنمية.
– اعتماد ضرائب أكثر تصاعدية وعدالة مع تعزيز الشفافية والمساءلة.
– ربط المالية العامة بأهداف السلم والتضامن والتنمية المعززة للقدرات.
إن هذه الرؤية تسعى لتقديم نموذج مالي انتقالي يحقق تكاملاً بين الاستدامة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات العامة، بعيداً عن السياسات التي تركز على الفائض المحاسبي كهدف نهائي دون مراعاة الدور التنموي والاجتماعي للدولة.ما يؤكد أن المالية العامة بحاجة إلى إعادة توجيه نحو العدالة، الاستثمار المنتج، حماية الفئات الهشة، واستعادة دور الدولة في التنمية والبنية التحتية، مع تعزيز الشفافية والمساءلة لأن الفائض المالي لا يعكس القوة التنموية.





