عندما تعنون الفاكهة المكان
تتخفى في أعماق فاس العتيقة جغرافية أنيقة صاغتها الطبيعة قبل أن يخطها الحجر؛ جغرافية احتفظت بأريج البساتين وعراقة الجنان التي كانت تطوق الأسوار وتتخلل الدور. فقديماً، وقبل اعتماد أرقام العناوين والتخطيط الحديث، كان سكان فاس يستدلون على أحيائهم بظلال شجرة معمرة، أو عرصة ناضجة الثمار، لتتحول الفواكه من مجرد محاصيل زراعية إلى عناوين دائمة للمكان والذاكرة.
أبواب تفتح على خضرة الجنان
تتجلى هذه الهوية النباتية مبكراً على أطراف المدينة العتيقة؛ فـ«باب الزيتون» بشرق فاس يقف شاهداً على بساتين الزيتون الدهرية التي كانت تحيط بعدوة الأندلس، بينما يرتفع «باب الخوخة» بالعدوة الشرقية مستمداً اسمه من حقول الخوخ الفواحة التي كانت تتمدد خارجه، لتكون هذه الأبواب الحجرية ثغوراً يمتزج فيها هواء الجنان بنسيم الدروب العتيقة.
دروب وأزقة تزهر بالثمار
حين يتغلغل العابر في أحشاء فاس، يجد الدروب والأزقة قد تسربت إليها أسماء الثمار؛ فـ«درب مشماشة» ارتبط بشجرة مشمش معمرة كانت تظلل عطفته، و«درب التوتة» يحكي قصة الجنان التي غذت أوراقها دودة القز لتغزل حرير فاس الشهير. وفي «زقاق الرمان»، تتراءى صور العراص التي تزينت برؤوس الرمان الياقوتية متدلية فوق الأسوار، بينما يمتد «درب اللوزة» مذكراً بأشجار اللوز التي كانت تتوسط الحارات، ويظلم «درب العنب» بتكاعيب ودوالي العنب المعروشة بين السطوح والدور.
ولعل أبين الأمثلة على هذا التمازج العمراني واللغوي المبكر هو حي «أݣزام برقوقة» بالعدوة العليا؛ إذ تعني كلمة «أݣزام» بالأمازيغية «البستان»، لتخلد التسمية عرصة البرقوق القديمة التي تحولت مع الامتداد العمراني إلى حومة سكنية عريقة تنطق بحصافة التراث الفاسي.
رحاب وسويقات واعدة بخيرات الشجر
ولم تقف الفاكهة عند حدود الأبواب والدروب، بل امتدت إلى قلب المنظومة الاقتصادية للمدينة؛ إذ تشهد «رحبة الزبيب» على ذلك الاتساع التجاري المتخصص قديماً في تجميع المواد الجافة من زبيب وتين ومكسرات مجلوبة من بساتين أحواز فاس وسايس والريف. وعلى مقربة من حركة الأسواق، تتألق «سويقة الكرمة» كموضع تجاري مصغر كان يختص ببيع التين الطازج والمجفف القادم من الجنان المجاورة، لتشكل هذه الأسواق نسيجاً غذائياً وثقافياً ارتبط بأعرق الأطباق الفاسية كالمروزية والكسكس المعسل.
فواكه فاس في وثائق الرحالة
لم تنحصر فرادة فواكه فاس ومياهها في التراث المحلي، بل خُلدت في وثائق وتقارير الزوار والشخصيات الأجنبية؛ حيث تُحضرنا شهادة تاريخية مدونة للرحالة والجاسوس الإسباني الشاب دومينغو بَادِيا يِ لِيبْلِيخْ (Domingo Badía y Leblich)، الذي دخل فاس بداية القرن التاسع عشر (1803-1805م) متنكراً في صفة أمير عثماني باسم «علي باي العباسي» وحظي باستقبال رسمي من البلاط السلطاني.
وقد دَوّن «علي باي» في تقاريره ومذكراته انبهاراً كبيراً بمياه فاس وبساتينها المترامية الأطراف التي تطوق الأسوار، وكتب يصف جودة ثمارها ومياهها الاستثنائية قائلًا ما معناه:
« La rivière qui traverse la ville se divise en plusieurs bras, qui fournissent de l’eau à toutes les maisons et aux jardins… La ville de Fez est entourée d’une grande quantité de jardins qui produisent des fruits d’une excellente qualité et en grande abondance, tels que des figues, des grenades, des pêches, des raisins, des melons et des olives. La bonté des eaux et la fertilité du sol y rendent la végétation très-vigoureuse. »
“تتمتع فاس بمياه جارية لا تنقطع، وتخترق جداولها الدور والجنان. أما بساتينها الممتدة خارج الأسوار فتنبت أجود أنواع الفواكه التي لم أذق مثلها حلاوةً ووفرة، ولا سيما التين، والرمان، والخوخ، والعنب، والزيتون، حيث تعطي الأرض ثماراً غزيرة بفضل عذوبة المياه وخصوبة التربة.”
شاعرية المكان في عيون الأدباء والشعراء
كما كانت هذه الأسماء ملهمة لكبار الشعراء؛ فقد أشاد لسان الدين بن الخطيب بجنان فاس وثمارها قائلاً:
” بَلَدٌ حَباها اللهُ كُلَّ فَضيلَةٍ … فَبِها الجِنانُ زَكِيَّةُ الأَثَمارِ
وَالماءُ يَطْرُدُ في خِلالِ رِياضِها … وَالزَّهْرُ يَبْسُمُ عَنْ نَضِيرِ بَهارِ”.
وخلّد الشاعر ابن الأَبّار الأندلسي منظر البساتين المتاخمة لأسوار فاس:
“فاسٌ الّتي كَسَتِ البَسَاتِينُ سُورَها … زَهْراً يَضُوعُ وَأَغْصَاناً دَوانِيَا”.
وعلى هذا النهج، خصّ الشاعر الفاسي المعاصر محمد السرغيني هذه التسميات بفرادة خاصة؛ حين قطف بأسلوبه الحداثي الرمزي «فواكه فاس السبع» (زقاق الرمان، رحبة الزبيب، درب مشماشة، درب التوتة، باب الخوخة، باب الزيتونة، وأجزام برقوقة)، محولاً أزقة المدينة العتيقة من مجرد حجارة وأزقة إلى رمزيّة ثقافية ووجدانية ناطقة بذاكرة التاريخ.
إن دروب فاس العتيقة ورحابها المسماة بأسماء الفواكه ليست مجرد حارة أو زقاق، بل هي وثيقة حيّة تؤكد كيف طوع الفاسيون طبيعة أرضهم وجنانهم، لتظل الفاكهة – حتى بعد اندثار الأشجار – عنواناً يُهتدى به على أصل المكان وجماله.
The post فاس.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




