... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
93043 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7925 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

"دِيرْ النيّة وْبَاتْ مْعَ الحَيّة"

العالم
هسبريس
2026/04/03 - 21:36 501 مشاهدة

عَن الثّقة، الخِداع، وثَمن البَراءَة

هذا النص ثمرةَ عبارةٍ وردتني في رسالة نصية من الأستاذ والصّحفي المقتدر نَعيم كَمال، عبارة تسلّلت إلى الوجدان، لكنها ما لبثت أن تحوّلت من مجرد كلام عابر بيْنَنا إلى شرارةٍ خفيّة أيقظت الرّغبة في الكتابة. ومن ذلك الأثر الخافت بدأ المعنى يتشكل شيئاً فشيئاً، حتى انبسط في هذا النص بوصفه امتداداً لما اختزنته من إيحاء.

حينَ تخونُ النيّة صَاحبها

أيُّ طمأنينةٍ هذه التي تدْعونا إلى أن نُحسن الظنّ بالعالم حتى وهو يكشف أنْيابه؟ وأيُّ نيّةٍ تلك التي يمدحُها النّاس إذا كانت تقودُ صاحبها أحيانًا إلى حضن الخطر بدل أن تقوده إلى نجاة الروح؟ هل تكفي براءة القلب لكي تروّض سُمَّ الحياة، أم أنّ العالم لا يقرأ ما في الصدور بقدر ما يختبر ما في العقول من يقظة؟ ثم من قال إنّ الحيّة تسكن البراري وحدها؟ ألا تزْحَفُ أحيانًا في السِّياسة حينَ تتزيّنُ بلباس الحماية، وفي المجتمع حين يتجمّل النّفاق بأدب المعاشرة، وفي الثقافة حين تخفي الفكرةُ البرَّاقة خواءها تحت زينة اللغة؟ ثم ما الحيّة هنا: أهي شخصٌ، أم سلطةٌ، أم عادةٌ، أم فكرةٌ، أم زمنٌ كاملٌ يُتقن التخفّي تحت أسماء مُطمئنة؟

بين حُسن النّية ولَسْعَة الحيّة

“ديرْ النّية وْبَاتْ مع الحيّة” ليس مثلًا يُقال للتندّر فحسب، إنه خلاصةُ خيبةٍ إنسانيةٍ طويلة مع ظاهر الأشياء. ففي الحياة، لا تكفي النيّة الطيّبة وحدها لتأمين المرء من الأذى، كما لا يكفي صفاء القلب ليجعل العالم أقلَّ افتراسًا. إنّها حكمةٌ خرجت من احتكاك الناس بأهل الوقت: أولئك الذين يلبسون الوداعة قناعًا، ويُخفون تحت الكلمات الناعمة أنيابَ المصلحة، فلا يستكينُ الخطر دائمًا في العداوة المعلنة، بقدر ما يتخفّى في الأمان الذي يُوضَع في غير موضعه. غير أنّ المثل، على قسوته، لا يدعو إلى التوحّش ولا إلى الشكّ المرضيّ في كل أحد، ذلك أنه يضع الطمأنينة نفسها موضعَ سؤال: على أيّ أساس نطمئنّ؟ أهو على حسن نيّتنا نحن، أم على معرفةٍ راسخة بطبيعة مَن حولنا؟ هنا يتبيّن أن الطمأنينة، في معناها الفكري العميق، ليست استسلامًا ساذجًا، ولا نومًا في حضن العالم، إنها وعيٌ يقِظٌ يعرفُ أن الخيْر مُمكن، لكنّه لا يُفترض في كل وجه، وأن الثّقة فَضيلة، لكنّها لا تُمنح من غير بَصيرة. ولعلّ مأساة كثيرين أنّهم ظنّوا الطمأنينة غيابَ الحذر، مع أنّها في حقيقتها مصالحةٌ بين القلب والعقل: أن تبقى نقيّ السَّريرة من غير أن تكونَ لقمةً سهلة، وأن تحفظ حُسن الظن من غير أن تجعلَه عَمًى، وأن تعرف أنّ أهل الوقت يتبدّلون كما يتبدّل الطقس، فلا تَسندَ روحك إلّا إلى ما ثبت جوهرُه في الامتحان. لا يهينُ المثلُ النيّة، ذلك أنه ينقذُها من السّذاجة. يقول لنا: كن طيّبًا، لكنْ لا تكن غافلًا؛ كُنْ نقيًّا، لكن لا تكن أعزلَ الوعي، لأن الحياة لا ترحم من ينامُ مع الحيّة اعتمادًا على صفاء نيّته وحده.

النَّومُ قُرْب السُّمّ

كثير من الناس لا يخافون الشرّ الصّريح، يخافون العزلة؛ ولذلكَ يعقدُون هدنةً خفيّة مع كل ما يجرحُهم. يجاملون، ويبتسمون، ويقولون: “ديرْ النيّة”، ثم يضعُون رؤوسهم على وسَائد صنعتها المجاملة. هكذا تُنتج الجماعة نوعًا من سكينة كاذبة تقوم على دفن التّوتر لا على حَلِّه، وعلى ستْر القُبح لا على مُواجهته. في المجالس والعلاقات والقرابات والمصالح اليومية، يفضّل كثيرون سلامَة الموقع على سَلامة المعنى؛ فيصير المرء لطيفًا لا لأنّ قلبه اتّسع، وإنما لأنّه خاف ثمن الصَّراحة. من هُنا يبدأ التَّآكل الأخلاقي الهادئ: تذبلُ القيمُ كلّ يوم تحت ضغط التواطؤ الصّغير. ولهذا لا تبدو الحيّة في المجتمع دائمًا على هيئة الماكر الواضح، قد تظهر في هيئة العُرف نفسه حين يبتلع الضَّمير؛ قد تسكن في عادةٍ تُكرّم النفاق الاجتماعي، أو في مجاملةٍ تُنقذ الشكل وتخنق الحقيقة، أو في صداقةٍ تقوم على تبادل الأدوار لا على تبادل الصّدق. إنّ المجتمع حين يقدّس الانسجام الظاهري فوق العدالة الداخلية، يربّي أبناءه على نومٍ طويل قُرب السُّمّ، ثم يسمّي ذلك لباقةً أو حكمةً أو “فهْمًا للدُّنيا”. لكنّ الطمأنينة التي تولد من خوف الناس بعضهم من بعض ليست طمأنينة؛ إنّها مجرّد هدنة هشّة بين هشاشات مُتجاورة. وعلى هذا النحو يفتح المثل بابًا أكثر دهشة، لأنّ الحيّة قد ترتدي ثوب الفكرة الجميلة: كمْ من خطابٍ ثقافيّ علّم الناس أن يطمئنّوا إلى الكلمات اللامعة أكثر من اطمئنانهم إلى الوقائع. وكمْ من مثقّفٍ صنع من البلاغة مُخدّرًا للوعي، فزيّن العجز، ومنح الهزيمة أسماءً نبيلة، وأقنع الناس بأنّ العمق يكفي بدل الفعل، وأنّ التأويل يغني عن المواجهة. لا يكمن الخطر دائمًا في الجهل، فقد يكمنُ في معرفةٍ متأنّقة فقدت شرفها الداخلي. حين تنفصل الثقافة عن الشجاعة، تتحوّل إلى غرفةٍ فاخرة للنوم مع الحَيّة: كتبٌ كثيرة، وتحليلاتٌ رشيقة، ومصطلحاتٌ برّاقة، لكنّ أحدًا لا يلمسُ الجُرح بيده.

“ديرْ النية”… ولكنْ افتح عينيكَ

إنّ أخطر ما يواجهه الإنسان المعاصر لا يتمثّل في كثرة الخداع فقط، وإنما في تآكل قدرته على التمييز. كان القدماء يخافون الذئب لأنّهم رأوه، أمّا ابن هذا العصر فيخاف أقلّ لأنّ الصُّور تكاثرت حتى فقدَ الخَطرُ ملامحَه. لهذا يصير المثل اليوم أكثر فلسفيةً من ذي قبل: لا تنم مع الحيّة لأنّ نيّتك طيّبة، ولا تنم معها لأنّ الجميع ناموا، ولا تنم معها لأنّ الثقافة برّرتها، ولا لأنّ السياسة روّضتها، ولا لأنّ المجتمع زيّنها. اختبر الأشياء بأثرها في رُوحك وعَقلك وكَرامتك، لا بزُخرفها الخَارجي. فالنيّة ترفع الإنسان، نعم، لكنّها لا تعفيه من مسؤولية الفهم. والحياة لا تكافئ دائمًا القلوب البيضاء، ذلك أنها تمتحنها وتستخرج منها ما هو أعمق من البراءة: البَصيرة. ومن لا يطلب هذه البصيرة، يظلّ يكرّر المثل بوصفه شكوى من الناس. أمّا من يفهمه حقًّا، فإنّه يحوّله إلى منهج حياةٍ وَوُجُود: أحبِبْ من دون سذاجة، وثِقْ من دون استسلام، وشاركْ العالم من دون أن تذوب فيه.

كيفَ يخدعُنا صفاءُ القَلب؟

أليس أكثر ما يربك الإنسان أن يخلط بين صفاء القلب وسذاجة النظر؟ وكيف يحفظ المرء طيبته إذا كان العالم يطالبه كل يوم أن يدفع ثمنها؟ ثم ماذا يبقى من البراءة إذا تحوّلت إلى غفلة، وماذا يبقى من الحذر إذا انقلب إلى جدار يعزلُ الروح عن الحياة؟ أليست النَّجاة الحقيقيةُ هي أن نعرف طبائع الأشياء من غير أن نفقدَ القُدرة على الحُبّ، وأن نتعلّم كيف نفتح أيدينا للناس من غير أن نسلّم لهم مفاتيح أرْواحنا؟ ثم أليس العدل مع العالم أن نراه كما هو، لا كما نتمنّاه، وأن نمنحَهُ ما يستحقُّ من حُسن ظنّ، لا ما يفرضُه علينا الوَهْمُ؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post "دِيرْ النيّة وْبَاتْ مْعَ الحَيّة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤