الخوري ريمون أبي تامر
في حزيران عام 1940 خسرت فرنسا أكثر من مجرد معركة عسكرية، خسرت معنى وجودها. خلال ستة أسابيع انهار الجيش الذي عُدّ الأقوى في أوروبا. ودخل هتلر باريس والتُقطت له صور أمام برج إيفل. ووقّعت الحكومة هدنة مع ألمانيا النازية. وأعلن الماريشال بيتان أن "آن الأوان للتوقف". فكان المشهد من الناحية السياسية واقعاً مؤلماً، إذ إن الجمهورية الثالثة تحتضر. وأما عسكرياً: فالعلم النازي يرفرف فوق قوس النصر. وكان الشعور العام مليئاً بالعبث والعار والفراغ. وسؤال واحد كان يتردد: هل انتهت فرنسا؟
في تلك اللحظة ظهر شارل ديغول. لم يكن يملك جيشاً ولا حكومة ولا مالاً. كان يملك قراراً.وسيقرأ هذا المقال ثلاث لحظات من سيرة ديغول في ضوء مفاهيم صاغها ألبير كامو لاحقاً حول التمرد والشجاعة، ليس لنساوي بين الرجلين، وإنما لنفهم أن الشجاعة السياسية حين تبلغ ذروتها، تقترب من الموقف الأخلاقي الذي تحدثت عنه الفلسفة.
المحطة الأولى: 18 حزيران 1940 - لندن
في 17 حزيران وصل الجنرال ديغول إلى لندن. كان مطلوباً من القضاء الفرنسي بتهمة الخيانة. بلا سند ولا ظهر. وفي اليوم التالي، في 18 حزيران، خاطب الفرنسيين عبر إذاعة الـ BBC بكلمات قليلة قلبت كل الموازين: "مهما حدث، فإن شعلة المقاومة الفرنسية يجب ألا تنطفئ ولن تنطفئ". لكن ديغول لم يكن خطيباً فقط. كان عسكرياً. وكان يعلم أن الكلمة وحدها لا تحرر الأوطان. فشرع فوراً في بناء "فرنسا الحرة" كقوة عسكرية فعلية.
أسس قوات فرنسا الحرة، وجمع المتطوعين من المستعمرات. وخاض أول مواجهة عسكرية كبرى في دكار أيلول 1940. ثم حقق أول انتصار في معركة الكفرة في ليبيا كانون الثاني 1941. وتوالت المعارك: بير حكيم 1942 حيث صمدت كتيبة فرنسية حرة أمام فيلق رومل، وإنزال النورماندي 1944 حيث قاتلت الفرقة المدرعة الثانية الفرنسية بقيادة الجنرال لوكلير، وصولاً إلى تحرير باريس آب 1944. حوّل "اللا" إلى جيش، وإلى انتصارات، وإلى اعتراف دولي تدريجي بأنه الممثل الشرعي لفرنسا الحرة.
القراءة من خلال كامو:
سيكتب ألبير كامو بعد سنوات في كتابه الإنسان المتمرد: "أول حركة للإنسان المتمرد هي أن يقول لا". ويكشف فعل ديغول ما سيصوغه كامو لاحقاً: أن التمرد يبدأ برفض الأمر الواقع. لم ينكر ديغول الهزيمة، لكنه رفض أن تكون الهزيمة هي الكلمة الأخيرة في تاريخ فرنسا. وهذه هي الشجاعة الأولى: شجاعة اختيار المعنى في وجه كل الوقائع، وترجمة الرفض إلى فعل عسكري. فالتمرد عند كامو يتجاوز مجرد الاحتجاج النفسي؛ إنه بداية لمسؤولية تاريخية.
المحطة الثانية: 26 آب 1944 - نوتردام
بعد أربع سنوات، تحررت باريس. لكن الخطر لم ينته. القناصون الألمان كانوا لا يزالون فوق الأسطح، والشوارع لم تؤمن بعد. ونصحه الجميع بإلغاء الاحتفال، والدخول بسيارة مصفحة. لكن ديغول نزل من دبابته ومشى. مشى في شارع الشانزليزيه وسط حشود غفيرة. ودخل كاتدرائية نوتردام للمشاركة في احتفال صلاة الشكر بعد تحرير باريس. وفي تلك اللحظة ألقى كلماته الشهيرة التي ختم بها العرض: "باريس ! باريس الغاضبة ! باريس المحطمة ! باريس المذلّة ! لكن باريس المحررة !".
لم يكن هذا عناداً شخصياً، وإنما كان فعلاً سياسياً بامتياز. كان ديغول يدرك أن الدولة لا تعود بالبيانات، بل بالهيبة. وأن السيادة لا تُستعاد إلا بجسد لا يخاف، وبرمز يقول للناس: "الخوف انتهى، والدولة عادت".
القراءة من خلال كامو:
في أسطورة سيزيف يقول كامو: "يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً". أي أن تستمر رغم علمك بأن الصخرة قد تسقط. وهنا نرى التشابه بين موقف ديغول وبين الإنسان الذي يواصل حمل الصخرة رغم الخطر. ديغول لم ينكر وجود الخطر، لكنه أبى أن يحكمه الخوف. واجه العبث بالمشي فيه، بكرامة وعناد. وهذه هي الشجاعة الثانية: شجاعة الاستمرار. فالشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما القدرة على منع الخوف من أن يصبح مبدأً للسياسة.
المحطة الثالثة: أواخر آب 1944
بعد التحرير مباشرة اندلعت موجة انتقام عارمة. محاكم شعبية، وإعدامات في الساحات، وحلق لرؤوس النساء. كان الغضب مفهوماً، وكان من السهل على ديغول أن يتركه يأخذ مداه. لكنه عمل منذ اللحظة الأولى على وقف هذا الانزلاق. أصدر أوامر متتالية: توقفوا. من اليوم هناك قانون، وهناك محاكم، وهناك دولة.
عمل على إعادة احتكار الدولة للعنف الشرعي. وواجه قادة المقاومة المتطرفين، وعفا عن صغار المتعاونين، وتحمل كلفة سياسية باهظة. لكنه جنّب فرنسا الانزلاق إلى حرب أهلية. لقد كانت الشجاعة هنا من نوع آخر. لا تنتمي إلى ساحة المواجهة، بل إلى ميدان الضبط. إنها شجاعة العقل على الغريزة، والمبدأ على ردة الفعل.
القراءة من خلال كامو:
سيكتب كامو لاحقاً: "التمرد يقول لا، ولكنه يقول نعم في الوقت نفسه". لا للظلم، ونعم للقيمة. وفي هذه اللحظة يلتقي فعل ديغول مع ما سيدافع عنه كامو: أن التمرد يفقد مشروعيته إذا تحول إلى انتقام. وهذه هي الشجاعة الثالثة: شجاعة وضع حد للدم، واختيار بناء الدولة على أنقاض الغابة. لأن الدولة التي تنتصر بالغضب تخسر العدالة، في حين أن الدولة التي تنتصر بالقانون تؤسس للمستقبل.
كان شارل ديغول أكثر من خطيب. كان عسكرياً ومقاوماً ومقاتلاً. لم يحمل سلاحاً في 18 حزيران، لكنه حمل فرنسا في صوته وبنى لها جيشاً. ولم يطلق رصاصة في 26 آب، لكنه أعاد للدولة هيبتها بخطوة. ولم ينتقم في أواخر آب، لكنه أسس لفرنسا قانونها. كانت شجاعته ثلاثية: شجاعة الرفض، وشجاعة المواجهة، وشجاعة الحد.وبها وحدها أنقذ فكرة اسمها "فرنسا" من أن تموت وهي لا تزال على قيد الحياة. وربما لهذا السبب بقي ديغول حاضراً في الذاكرة الفرنسية، وبقي كامو حاضراً في الضمير الإنساني. أحدهما أنقذ وطناً بالفعل، والآخر أضاء معنى الفعل بالتفكير. وعندما يلتقي الفكر بالفعل، لا تصنع السياسة انتصاراً عسكرياً فحسب، ولكنها تؤسس أيضاً لأخلاقٍ تحفظ هذا الانتصار.




