ضياء العوضي.. حين يتحول الغموض إلى قصة أكبر من الحقيقة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أعاد خبر وفاة الدكتور ضياء العوضي فتح أسئلة قديمة حول علاقتنا بالعلم، وحدود الثقة بالمؤسسات، والطريقة التي تتشكل بها الروايات في مجتمعات تميل إلى تفسير الأحداث من خلال الشك أكثر من الوقائع. فالرجل لم يكن مجرد طبيب أو صاحب نظام غذائي مثير للجدل، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية تجاوزت حدود الطب لتلامس المزاج الشعبي العربي بكل تعقيداته.
العوضي استطاع أن يبني حضوراً جماهيرياً واسعاً عبر "نظام الطيبات”، مقدماً نفسه بوصفه صاحب مشروع يهدف إلى إعادة النظر في أنماط الاستهلاك الغذائي والعادات اليومية التي أصبحت جزءاً من الحياة الحديثة. ومع الوقت، لم يعد تأثيره مقتصراً على النصائح الصحية، بل امتد إلى تشكيل قناعات جماهيرية دفعت كثيرين إلى مقاطعة منتجات غذائية بعينها، اقتناعاً بخطابه وتحذيراته.
لكن هذا الحضور الشعبي المتصاعد وضعه في مواجهة مباشرة مع المؤسسة الطبية الرسمية، التي اعتبرت أن كثيراً من أطروحاته تفتقر إلى الأسس والبروتوكولات العلمية المعتمدة. وانتهى هذا الصدام بسحب صفته المهنية الرسمية، في خطوة كان يُفترض أن تُضعف تأثيره، لكنها على العكس عززت صورته لدى مؤيديه باعتباره شخصية "تتحدى السائد” وتقف في مواجهة المؤسسات التقليدية.
المفارقة أن العوضي نفسه ساهم، بقصد أو من دون قصد، في توسيع دائرة الغموض حول شخصيته. فقد تحدث أكثر من مرة عن شعوره بالخطر، وصرّح بأنه إذا توفي بشكل مفاجئ فإن الأمر قد لا يكون طبيعياً، نافياً في الوقت ذاته أي تفكير بالانتحار. وعندما جاء خبر وفاته المفاجئة في دبي نتيجة جلطة، بدا وكأن تصريحاته السابقة تحولت تلقائياً إلى أرض خصبة للتأويل والتكهنات.
وربما المشكلة الحقيقية هنا لا تكمن في وجود دليل واضح على "مؤامرة”، ولا في القدرة على نفيها بشكل قاطع، بل في تلك المساحة الرمادية التي تُنتجها الأحداث غير المكتملة. فعندما يرحل شخص مثير للجدل، يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، ويدخل في صدام مع مؤسسات قوية، يصبح الغموض جزءاً من الرواية نفسها، سواء استند إلى حقائق أم كان مجرد انعكاس لثقافة اجتماعية تميل إلى البحث عن المعنى الخفي وراء كل حدث مفاجئ.
وفي الحقيقة، لا يمكن فهم الجدل الذي رافق قصة العوضي بعيداً عن طبيعة مجتمعاتنا التي ما تزال تتعامل مع العلم بصورة انتقائية. فنحن غالباً لا نمتلك بيئة راسخة للتفكير النقدي، بقدر ما نعيش بين ثنائية الثقة المطلقة أو الرفض المطلق. ولهذا يتحول أي خلاف علمي إلى معركة شعبية، وأي وفاة مفاجئة إلى مادة مفتوحة للريبة والأسئلة غير المنتهية.
ولعل ما حدث مع الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري خلال أزمة "جنون البقر” يقدم مثالاً مختلفاً على تأثير الشخصيات الجماهيرية في السلوك العام. فقد أدت تصريحاتها آنذاك إلى موجة مقاطعة واسعة للحوم الأبقار وأثرت اقتصادياً على القطاع بأكمله. إلا أن الفارق الجوهري أن النقاش هناك بقي محكوماً بالأطر العلمية والقانونية، بينما في عالمنا العربي غالباً ما تختلط الأسئلة المشروعة بالمشاعر والشكوك، فتتحول الوقائع الناقصة إلى روايات مفتوحة لا تنتهي.
في النهاية، قد لا يكون الأهم هو الطريقة التي توفي بها ضياء العوضي، بقدر ما يكشفه الجدل حول وفاته عن طبيعة مجتمعاتنا نفسها؛ مجتمعات تبحث دائماً عن رواية خفية خلف كل حدث، لأنها لم تحسم بعد علاقتها المرتبكة بالعلم، ولا بثقتها بالمؤسسات، ولا حتى بقدرتها على التمييز بين الحقيقة والانطباع.




