في تحول لافت في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، كشف ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، عن ما وصفه بـ“فرصة حقيقية” لإحراز تقدم ملموس نحو تسوية سياسية، داعيا جبهة البوليساريو إلى تقديم “تنازلات تاريخية” تفتح الباب أمام إنهاء واحد من أطول النزاعات في المنطقة.
وخلال جلسة مغلقة عقدها مجلس الأمن الدولي، أبرز المسؤول الأممي أن الظرفية الحالية تحمل مؤشرات إيجابية غير مسبوقة، مشددا على أن تلاقي الإرادة السياسية مع التوقيت المناسب قد يشكل نقطة تحول حاسمة بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي.
عودة التفاوض المباشر
وأكد دي ميستورا أن المفاوضات التي انطلقت منذ بداية السنة، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، تمثل أول جولات حوار مباشر منذ سبع سنوات، في إشارة إلى عودة الحراك السياسي إلى الواجهة بعد فترة طويلة من التعثر.
ولم تقتصر هذه اللقاءات، بحسب المعطيات المتوفرة، على تبادل المواقف التقليدية، بل امتدت إلى مناقشة تفاصيل دقيقة تتعلق بشكل الحل السياسي الممكن، وهيكلية الحكم، وآليات تنزيل مبدأ تقرير المصير ضمن صيغة توافقية، ما يعكس انتقال النقاش من العموميات إلى جوهر التسوية.
دعم متزايد للمبادرة المغربية
وفي هذا السياق، نوه المبعوث الأممي بتقديم المغرب نسخة مفصلة من مبادرة الحكم الذاتي، معتبرا أنها تستجيب لطلب أممي قديم بضرورة توضيح مضامين المقترح، كما أشاد بإبداء الرباط استعدادها للانخراط في المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.
وتأتي هذه الإشادة في ظل دينامية دولية متصاعدة داعمة للمقترح المغربي، كان آخرها تجديد عدة قوى دولية لمواقفها المؤيدة، واعتبار المبادرة أساسا واقعيا وعمليا للحل.
رسائل مباشرة إلى البوليساريو
في المقابل، وجه دي ميستورا رسالة واضحة إلى جبهة البوليساريو، دعاها فيها إلى الانخراط الإيجابي في المسار التفاوضي، وتقديم تنازلات تتيح الوصول إلى حل متوازن، مؤكدا أن مصلحة الأجيال القادمة تقتضي تجاوز منطق الجمود واغتنام الفرصة الحالية.
غير أنه أقر بوجود هواجس لدى الجبهة، تتعلق بموقعها في أي صيغة حكم مستقبلي، وبالضمانات الأمنية لعناصرها، معتبرا أن هذه القضايا تحتاج إلى معالجة ضمن إطار تفاوضي يضمن الثقة المتبادلة.
سباق مع الزمن قبل أكتوبر
وكشف المسؤول الأممي عن طموح لجمع مختلف الأطراف قبل أكتوبر المقبل، بهدف التوصل إلى اتفاق إطاري يحدد معالم الحل، ويرسم آليات المصادقة عليه، إلى جانب وضع تصور عملي لمرحلة انتقالية منظمة.
ويكتسي هذا السقف الزمني أهمية خاصة، في ظل رغبة الأمم المتحدة في استثمار الزخم الحالي، وتفادي العودة إلى حالة الجمود التي طبعت الملف لسنوات.
تحول في الخطاب الأممي
وتعكس تصريحات دي ميستورا تحولا واضحا في مقاربة الأمم المتحدة، من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسوية نهائية، مع تحميل الأطراف مسؤولية التقاط اللحظة السياسية الراهنة.
وبين مؤشرات الانفراج وضغوط الواقع، يبدو أن ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة مفصلية، قد تحدد مآلاته لسنوات قادمة، في ظل تزايد القناعة الدولية بضرورة حل عملي ودائم لهذا النزاع الذي طال أمده.