دراسة طوال 4 عقود: موجات الحر البحرية تزيد قوة الأعاصير التدميرية
توصلت دراسة حديثة إلى أن التفاعل بين موجات الحر البحرية، والاشتداد السريع للأعاصير المدارية، يزيد القوة التدميرية لهذه العواصف، ويجعلها أكثر ارتباطاً بالكوارث التي تخلف خسائر فادحة.
وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية Science Advances بأن الأعاصير التي تشتد سرعتها أثناء مرورها فوق مناطق بحرية شديدة السخونة، تسببت في عدد أكبر بنحو 60% من الكوارث الطبيعية التي تجاوزت خسائرها مليار دولار مقارنة بالأعاصير التي لم تتأثر بموجات حر بحرية مماثلة.
والاشتداد السريع يعني زيادة سرعة الرياح بما لا يقل عن 30 عقدة خلال 24 ساعة، وهو تطور خطير لأنه يترك وقتاً قصيراً جداً للاستعداد والإخلاء، أما موجة الحر البحرية فتعني فترة تستمر 5 أيام على الأقل ترتفع خلالها حرارة سطح البحر.
موجات الحر والأعاصير
اعتمد الباحثون على سجل عالمي يمتد لأكثر من 4 عقود، من سبتمبر 1981 إلى أكتوبر 2023، وحللوا الأعاصير المدارية التي وصلت إلى اليابسة عبر 7 أحواض رئيسية للنشاط المداري؛ ووجدوا أن نحو 52% من الأعاصير التي ضربت اليابسة عالمياً كانت مرتبطة بموجات حر بحرية، ما يشير إلى أن هذه الظاهرة لم تعد حالة نادرة أو هامشية، بل أصبحت جزءاً مهماً من البيئة التي تتشكل فيها كثير من الأعاصير الحديثة وتشتد داخلها.
وأظهرت الدراسة أن الخطر لا يكمن في ارتفاع حرارة المياه فقط، بل في الطريقة التي تغذي بها هذه المياه الحارة العواصف؛ فموجات الحر البحرية ترفع حرارة سطح البحر إلى مستويات توفر طاقة إضافية للعاصفة، وتزيد اختلال التوازن الرطوبي بين المحيط والغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تدفقات أكبر للحرارة الكامنة والرطوبة نحو مركز الإعصار، وهذه الظروف تمنح العاصفة فرصة أكبر للاشتداد السريع، كما تساعدها على الحفاظ على قوة أعلى قبل الوصول إلى اليابسة.
ولإثبات ذلك، درس الباحثون ما يعرف بالحد الأقصى الكامن لشدة الإعصار، وهو مؤشر نظري يحدد السقف الحراري الذي يمكن أن تبلغه العاصفة بحسب الظروف المحيطة.
وأفادت النتائج أن الأعاصير المرتبطة بموجات حر بحرية حافظت، في المتوسط، على قيم أعلى لهذا المؤشر خلال الأيام الخمسة السابقة لوصولها إلى اليابسة مقارنة بالأعاصير الأخرى، مع فارق تراوح تقريباً بين 3 و5.5 أمتار في الثانية قبل الوصول، وبلغ ذروته قبل يوم تقريباً من اليابسة. وهذا يعني أن البيئة الحرارية حول هذه الأعاصير كانت أكثر ملاءمة لاستمرار القوة والتصاعد.
وعند فحص سرعة الرياح، توصلت الدراسة إلى أن الأعاصير التي تعرضت لاشتداد سريع كانت أصلاً أقوى بكثير من غيرها عند الوصول إلى اليابسة، لكن وجود موجة حر بحرية منحها دفعة إضافية واضحة، وحافظت الأعاصير التي جمعت بين الاشتداد السريع وموجة الحر البحرية على سرعات رياح أعلى بنحو 5 إلى 10 عقد من الأعاصير التي اشتدت سريعاً دون تأثير موجة حر بحرية، وهو فارق كانت له دلالة إحصائية عبر معظم الفترة السابقة للوصول إلى اليابسة.
بينت الدراسة أن هذا التأثير كان محدوداً نسبياً في الأعاصير التي لم تتعرض لاشتداد سريع، ما يعني أن موجات الحر البحرية لا "تخلق" الخطر من الصفر، لكنها تضخم الأعاصير الأقوى أصلاً، وتدفعها إلى مستويات أكثر تدميراً.
تعزيز الأمطار الغزيرة
وفي ما يتعلق بالأمطار، وجدت الدراسة أن التأثير كان واضحاً؛ فالأعاصير سريعة الاشتداد التي مرت فوق موجات حر بحرية سجلت معدلات هطول أعلى من نظيراتها غير المتأثرة بالموجات، بفارق مستمر بلغ نحو 10 إلى 12% خلال الفترة الممتدة من 3 أيام قبل الوصول إلى يوم بعده تقريباً، مع ذروة واضحة قبل ساعات قليلة من الوصول إلى اليابسة.
وتطرقت الدراسة إلى عواصف المد البحري، مؤكدة أن الصورة أكثر تعقيداً لأن ارتفاع المياه عند الساحل لا يعتمد فقط على شدة الإعصار، بل أيضاً على شكل الساحل، وتوقيت المد والجزر، ووجود الحواجز والمنشآت الدفاعية، وكثافة العمران في المناطق المتضررة؛ لكن حين جمع الباحثون بين مؤشرات الرياح والأمطار والاندفاع البحري، ظهرت صورة متسقة: الأعاصير التي اجتمع فيها الاشتداد السريع مع موجات الحر البحرية كانت أكثر تمركزاً في نطاق العواصف الأعلى ضرراً اقتصادياً.
ولفهم الأثر الاقتصادي بدقة، استخدم الباحثون قاعدة بيانات تضمنت 789 إعصاراً مدارياً وصلت إلى اليابسة، وتوافرت لها بيانات خسائر اقتصادية، ثم قارنوا بين العواصف بحسب وجود موجة حر بحرية وحدوث اشتداد سريع من عدمه.
أظهرت النتائج أن العواصف التي جمعت العاملين معاً تركزت بصورة أوضح داخل فئة الكوارث التي تتجاوز خسائرها مليار دولار. على سبيل المثال، سجلت الدراسة 71 إعصاراً من هذا النوع ضمن العواصف المليارية، مقابل 45 إعصاراً فقط بين الأعاصير السريعة الاشتداد التي لم تمر فوق موجات حر بحرية، ما يدعم فكرة أن وجود الحرارة البحرية الشاذة يرفع احتمال انتقال العاصفة من مجرد حدث شديد إلى كارثة اقتصادية ضخمة.
ولأن قيمة الخسائر لا تعتمد فقط على قوة العاصفة، بل أيضاً على حجم العمران والثروة في المنطقة التي تضربها، حاول الباحثون فصل أثر "التعرض" عن أثر "الشدة"، ولذلك استخدموا أسلوباً إحصائياً لمقارنة عواصف ضربت مناطق متشابهة تقريباً في مستوى البناء والتطور العمراني، ثم قاسوا الفارق في الخسائر؛ والنتيجة كانت لافتة: حتى بعد ضبط هذا العامل، فإن الأعاصير سريعة الاشتداد المرتبطة بموجات حر بحرية تسببت في خسائر أعلى بنحو 93% من أعاصير سريعة الاشتداد مماثلة لكنها لم تعبر فوق موجات حر بحرية، كما كانت خسائرها أعلى بكثير من الأعاصير التي لم تشهد اشتداداً سريعاً. وهذا يعني أن القوة الإضافية للعاصفة نفسها، لا مجرد موقعها، كانت عاملاً حاسماً في تعظيم الخسائر.
وعلى المستوى الجغرافي، لاحظت الدراسة أن الزيادات الأكثر وضوحاً في الأعاصير المرتبطة بموجات حر بحرية والاشتداد السريع ظهرت خصوصاً في شرق المحيط الهادئ وشمال الأطلسي وشمال المحيط الهندي؛ أما الارتفاع العالمي العام فكان أكثر اعتدالاً، ويرجع ذلك إلى اختلاف السلوك من حوض إلى آخر.
أفادت الدراسة بأن استخدام خط أساس حراري "مزال الاتجاه" يخفف من ظهور الاتجاهات الزمنية في عدد موجات الحر البحرية نفسها، حتى مع استمرار احترار المحيطات؛ لأن هذا الأسلوب يقيس الشذوذات قصيرة الأجل فوق الخلفية المتغيرة لا فوق خط ثابت.
توصيات لأنظمة الإنذار المبكر
لفتت الدراسة إلى أنها لا تزعم أن موجات الحر البحرية وحدها تكفي لإحداث الاشتداد السريع في كل الأحوال؛ فالعواصف لا تزال تحتاج إلى بيئة جوية مناسبة مثل وفرة الرطوبة في طبقات الجو الوسطى، وعدم الاستقرار الجوي، وعوامل ديناميكية أخرى.
لكن ما تثبته الدراسة هو أنه عندما تتوافر هذه الشروط الأساسية، فإن موجات الحر البحرية تمنح الإعصار أفضلية إضافية تجعله أقوى وأكثر قدرة على إلحاق خسائر اقتصادية كبيرة، لا سيما في العواصف الشديدة أصلاً.
وأوصت الدراسة مراكز التنبؤ والسلطات الساحلية بأن تمنح موجات الحر البحرية وزناً أكبر في أنظمة الإنذار المبكر والتخطيط للاستجابة؛ فوجود بقعة بحرية شديدة السخونة على مسار إعصار يقترب من اليابسة قد يكون إشارة مبكرة إلى خطر تضاعف الشدة، بما يستدعي تحديث عتبات التحذير والإخلاء، وإعادة النظر في تصميم أنظمة التصريف والحواجز الساحلية والدفاعات المائية، خاصة مع استمرار الاحترار العالمي، وزيادة مدة وتكرار موجات الحر البحرية.








