دولة تتفرّج على الخراب: عندما يصبح القتل خبراً عادياً وتتحول السلطة إلى شاهد صامت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب عبدالرزاق بني هاني
لم يعد الأمر يتعلق بجريمة هنا أو حادثة هناك. ولم يعد الحديث عن انحراف فردي أو سلوك شاذ يخرج بين الحين والآخر عن النسق العام للمجتمع. ما نشهده اليوم أخطر من ذلك بكثير؛ إنه تآكل بطيء وعميق في منظومة القيم ذاتها، وانحدار متواصل في حساسية المجتمع تجاه الشر، حتى باتت الجرائم التي كانت تهزّ الضمير العام بالأمس تمرّ اليوم مرور الأخبار اليومية المعتادة.
رجل يقتل زوجته. أب يقتل أبناءه انتقاماً من أمهم. شاب يحتال على الناس بلا تردد. موظف يسرق المال العام. تاجر يغش زبائنه. مسؤول يخدع المواطنين. وآخرون يكذبون كما لو أن الصدق أصبح عبئاً أخلاقياً لا طاقة لهم به. تتكرر الوقائع، وتتوالى المشاهد، وتتراكم الحوادث فوق الحوادث، حتى أصبح الإنسان يقرأ عن جريمة قتل أثناء احتسائه قهوته الصباحية، ثم ينتقل بعدها مباشرة إلى متابعة مباراة كرة قدم أو مقطع ترفيهي وكأن شيئاً لم يكن. وليس الخطر الحقيقي في الجريمة وحدها، بل في اعتيادها. فحين يفقد المجتمع قدرته على الصدمة، يكون قد قطع شوطاً بعيداً في طريق الانهيار الأخلاقي. وحين يصبح الشر متوقعاً، والمأساة مألوفة، والعنف جزءاً من المشهد اليومي، فإننا لا نكون أمام أزمة أمنية فحسب، بل أمام أزمة حضارية كاملة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو أين السلطة السياسية من كل ما يجري؟ فالسلطة ليست مجرد جهاز يجمع الضرائب أو يصدر القوانين أو يدير الموازنات. وظيفتها الأعمق تتمثل في حماية النسيج الأخلاقي للمجتمع، وصون البيئة الثقافية والقيمية التي تجعل الناس قادرين على العيش معاً دون أن يتحولوا إلى ذئاب ينهش بعضهم بعضاً. وحين تتفكك هذه البيئة، فإن مسؤولية السلطة لا يمكن اختزالها في إصدار بيانات الإدانة أو تكرار العبارات التقليدية حول ضرورة احترام القانون. والصمت المستمر أمام الانحدار الاجتماعي يوحي وكأن ما يحدث لا يعني أصحاب القرار. وكأن السلطة ترى مهمتها محصورة في إدارة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بينما تُترك الروح الجماعية للمجتمع تتآكل بصمت. فالجريمة ليست مجرد فعل فردي يولد من فراغ؛ إنها غالباً ثمرة بيئة مختلة، وتعبير عن أزمات متراكمة في التربية والثقافة والإعلام والتعليم والاقتصاد والسياسة معاً. وعندما يتراجع حضور الحكومة في تشكيل الوعي العام، تتقدم قوى أخرى لملء الفراغ. تنتشر ثقافة الاستهلاك المفرط، وتعلو أصوات التفاهة، ويتحول العنف إلى مادة للفرجة، ويصبح النجاح مرادفاً للربح السريع مهما كانت الوسيلة. وعندها لا يعود مستغرباً أن يكثر الكذب والخداع والاحتيال؛ لأن المجتمع يكون قد تلقى الرسالة الضمنية نفسها آلاف المرات: المهم أن تربح، أما كيف تربح فذلك شأن ثانوي.
إن السلطة التي تراقب هذا المشهد دون مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء القيم تشبه طبيباً يشاهد المرض ينتشر في جسد مريضه ثم يكتفي بقياس درجة الحرارة كل صباح. فالأرقام لا تعالج الأوبئة الأخلاقية، والتقارير لا تبني الضمائر، والخطب الرسمية لا تخلق مواطنين مسؤولين. فقد أصبح واضحاً أن كثيراً من المؤسسات العامة تتعامل مع أعراض الأزمة لا مع جذورها. فكلما وقعت جريمة ارتفعت الأصوات المطالبة بعقوبات أشد، مع أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد العقوبة. فالمجتمع الذي ينتج المزيد من العنف والكراهية والخداع يحتاج إلى مراجعة شاملة لمساره الثقافي والتربوي والسياسي، لا إلى ردود أفعال موسمية تنتهي بانتهاء دورة الأخبار. فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأية دولة ليس العجز المالي ولا الركود الاقتصادي ولا حتى الأزمات السياسية العابرة، بل أن تفقد قدرتها على إنتاج إنسان سويّ أخلاقياً. فكل شيء يمكن تعويضه إلا انهيار الثقة بين الناس. وعندما يصبح المواطن خائفاً من جاره، والزوجة خائفة من زوجها، والأبناء خائفين من آبائهم، والمجتمع بأسره غارقاً في الشك وانعدام الأمان، فإننا نكون أمام أزمة وجودية لا أزمة إدارية. ومن هنا فإن المسؤولية السياسية لا تبدأ من ملاحقة الجناة بعد وقوع الجرائم، بل من منع الظروف التي تجعل الجريمة خياراً متوقعاً. وتبدأ من المدرسة قبل المحكمة، ومن الثقافة قبل السجن، ومن بناء الإنسان قبل بناء الحجر. أما الاكتفاء بالمراقبة الصامتة، فهو شكل من أشكال التخلي عن الدور التاريخي الذي وجدت السلطة من أجله. والمجتمع لا ينهار دفعة واحدة. بل ينهار حين تصبح الكوارث اعتيادية، وحين يفقد الناس إحساسهم بالخطر، وحين يعتاد المسؤولون رؤية الخراب فلا يعود يزعجهم. وعند تلك اللحظة تحديداً، لا تكون المشكلة في المجرمين وحدهم، بل في كل من رأى المشهد يتسع يوماً بعد يوم واختار أن يتفرج!

