دول الجوار التي نتمناها
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخطر ما قد تصل إليه أي دولة ليس الفقر، ولا حتى الحروب الطويلة، بل أن تفقد قدرتها على فرض سيادتها داخل حدودها.. فتصبح الحكومة مجرد ساعي بريد، بينما القرار الحقيقي موزع بين جماعات، ومليشيات، وولاءات عابرة للحدود؛ ولكل منطقة سلطتها الخاصة، وسلاحها الخاص، ومصالحها الاقتصادية المستقلة.. حتى المواطن نفسه أصبح يعرف أن مرجعية القرار تختلف من شارع إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، ومن معبر حدودي إلى غيره. المفارقة الساخرة أن هذه الحكومات تغضب عند الحديث عن "تقسيم الدول"، بينما الواقع يقول إنها تعيش حالة تقسيم فعلية منذ سنوات، ليس على الورق، بل على الأرض؛ فهناك جغرافيا تحكمها المليشيات، وأخرى تديرها شبكات المصالح، وثالثة تخضع لنفوذ خارجي مباشر، وحتى العاصمة نفسها لم تعد مدينة واحدة بالمعنى السياسي والأمني، فمن يفرض نفوذه في حي ليس بالضرورة هو ذاته من يتحكم في الحي المجاور. ثم يأتي المشهد الأكثر قسوة؛ دول تُعد من الأغنى بالموارد في المنطقة، يعيش مواطنوها بين انقطاع الكهرباء، وأزمات الماء، والبطالة، والانهيار الخدمي، بينما تتضخم ثروات الفاسدين والنافذين.. حتى لم يعد غريبًا أن يحن بعض مواطنيها إلى مراحل سابقة بكل قسوتها، ليس حبًا في الاستبداد، بل هروبًا من واقع الفوضى الذي يعيشونه؛ فبعض هذه الدول تمتلك ثروات هائلة، ونفطًا، وموارد بشرية، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، لكنها تعيش حالة إنهاك تاريخية بسبب غياب مفهوم الدولة الحقيقي. ولم يعد مستغربًا في هذه الدول أن نسمع عن اكتشاف قواعد أجنبية، وممرات تهريب، وجماعات تتخذ قرارات الحرب والسلم بمعزل عن السلطة الرسمية، بينما الحكومة تكتفي ببيانات التنديد والقلق وكأنها تراقب المشهد من الخارج؛ حتى تحولت حدودها إلى ممرات مفتوحة، وأصبح بعض الأراضي فيها مجرد منصات لاستهداف دول الجوار، ولم تعد الأزمة فيها داخلية تخص تلك الدول وحدها، بل أصبحت خطرًا إقليميًا يمتد أثره إلى الجميع. المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الدول الفاشلة بقدر حاجتها إلى الدولة التي تعزز حضور المؤسسات، وتفرض سيادة القانون، وتحول الاستقرار إلى مشروع طويل المدى.. الدولة التي تبني اقتصادًا، وتمنح مواطنيها الأمان والثقة بالمستقبل.. ويعرف فيها المواطن من يحكم، ومن يقرر، ومن يحاسب، ومن يحمي الحدود، ومن يحمل السلاح.





