دول العربية تتجه نحو دعم روسيا على الساحة الدولية
د. فالح الحمراني
مع بدء العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها القوات المسلحة الروسية في أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، والتي أعلنت موسكو أن هدفها نزع سلاح أوكرانيا وتطهيرها من النازية، سعى العالم العربي إلى الحفاظ على مسافة متوازنة من طرفي النزاع، مع إبداء بعض دوله تعاطفاً مع كييف. إلا أنه خلال السنوات القليلة الماضية، مال هذا التوازن بشكل متزايد نحو روسيا، رغم جهود أوكرانيا والغرب الرامية لإقناع القادة العرب بتقليص علاقاتهم مع الكرملين. كما ساهمت محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفتح قنوات حوار مع موسكو في تسهيل تفاعل العالم العربي معها، ليتوسع هذا التعاون تدريجياً ويشمل مجالات تتجاوز الشؤون الاقتصادية البحتة.*
وفي هذا السياق، أدانت دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة محاولة الهجوم على مقر إقامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مستنكرةً هذا العمل الشنيع وما يشكله من تهديد للأمن والاستقرار. وفي بيانٍ صدر بتاريخ 29 ديسمبر 2025، سارعت وزارة الخارجية الإماراتية إلى تأييد اتهامات موسكو لكييف بالمسؤولية عن الهجوم. ويُعد هذا الموقف تحولاً لافتاً، إذ لم يسبق للإمارات أن أصدرت أحكاماً بهذه الصراحة في الصراع الروسي الأوكراني، حرصاً منها على التزام الحياد.
وعلى النقيض من ذلك، أبدت بعض الدول العربية في بداية الصراع قلقها من "العملية الخاصة"؛ كما فعلت وزارة الخارجية اللبنانية. وقد انعكس الموقف الموحد لجامعة الدول العربية في بيانها الصادر بتاريخ 28 فبراير 2022، والذي اتسم بخطاب حذر لم يشر صراحةً إلى روسيا، واصفاً الصراع بـ "الأزمة" التي يجب حلها عبر الوسائل الدبلوماسية. ومع تمتع معظم الدول العربية بعلاقات تاريخية وطويلة الأمد مع موسكو، فقد كانت مترددة في تصعيد التوتر مع الكرملين. وفي الوقت ذاته، دعمت دول عربية عديدة كييف في المحافل الدولية حفاظاً على سمعتها لدى شركائها الغربيين المنحازين تمامالأوكرانيا. ويُعد التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن "العدوان على أوكرانيا" دليلاً على ذلك، إذ أيدته 16 دولة عربية في مارس 2022، بينما امتنعت أربع دول عن التصويت أو تغيبت، في حين صوتت سوريا وحدها ضد القرار.
وتجلّى الحياد المتوازن الذي انتهجته الدول العربية في رغبتها في التوسط لحل النزاع، حيث برزت كل من قطر والإمارات والسعودية كأطراف وسيطة. فعلى سبيل المثال، وبفضل جهود الرياض، أفرجت أوكرانيا في سبتمبر 2022 عن السياسي الموالي لروسيا فيكتور ميدفيدتشوك و55 روسياً مقابل 215 أسيراً، من بينهم مقاتلون من كتيبة آزوف القومية الشوفينية. كما لعبت الإمارات دوراً فاعلاً في تسهيل عمليات تبادل شملت قرابة 5000 جندي من الجانبين. وخلال العامين الأولين من الحرب، طرحت الدول العربية مبادرات عدة لدعم أوكرانيا؛ إذ دُعي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بشكل مفاجئ لحضور قمة جامعة الدول العربية في جدة في مايو 2023، وتلا ذلك اجتماع دولي حول أوكرانيا في جدة أيضاً في أغسطس/ آب من العام ذاته، بمشاركة دول غربية ودول من الجنوب العالمي، كالبحرين ومصر والأردن وقطر والكويت. وبالتوازي مع ذلك، قدمت الدول العربية مساعدات إنسانية ومالية ملموسة لكييف؛ حيث خصصت الإمارات 100 مليون دولار في أكتوبر 2022، وقدمت السعودية 410 ملايين دولار في فبراير 2023، وتبرعت الكويت بمليون دولار لشراء مولدات كهربائية في أبريل 2023، بينما خصصت قطر 100 مليون دولار للاحتياجات الإنسانية في يوليو من العام نفسه.
لقد تغير موقف العالم العربي تجاه الصراع الروسي الأوكراني بمرور الوقت، ويعود ذلك في المقام الأول إلى خيبة الأمل بحلفاء كييف الغربيين؛ إذ يتناقض انخراط الغرب الفعال في التسوية الأوكرانية بشكل صارخ مع موقفه المتسم باللامبالاة تجاه الأزمات الإنسانية والحروب في كل من اليمن وليبيا وسوريا والسودان وفلسطين. وقد عزز هذا الواقع قناعة الدول العربية بازدواجية المعايير الغربية حتى قبل عملية الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين في قطاع غزة، لقد جاء الموقف الغربي المتساهل تجاه ممارسات إسرائيل ليؤكد للعرب انتقائية الغرب في تطبيق القانون الدولي ولا عدالة مواقفه.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في المحافل الدولية؛ فعلى سبيل المثال، شاركت 10 دول عربية فقط من أصل 22 في مؤتمر السلام الأوكراني الذي عُقد في سويسرا في يونيو/حزيران 2024، ولم توقع سوى ثلاث دول منها على البيان الختامي، وهو ما يمثل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بمؤتمر مماثل عُقد في جدة عام 2023. أما في يوليو/تموز 2024، فقد تباينت مواقف الدول العربية تجاه القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن سلامة وأمن المنشآت النووية في أوكرانيا، بما فيها محطة زابوريجيا؛ حيث صوتت 4 دول لصالح القرار، بينما امتنعت 14 دولة عن التصويت، وعارضته سوريا.
وتزامنت خيبة أمل العالم العربي من حلفاء أوكرانيا الغربيين مع تزايد نشاط روسيا في المنطقة. ففي مواجهة العقوبات والعزلة في الغرب، بدأت موسكو بالبحث عن أسواق وخطوط نقل بديلة. وتحظى المنتجات الزراعية الروسية بطلب كبير في العالم العربي، حيث تُعدّ مصر والجزائر وليبيا والسعودية والمغرب من بين أكبر عشرة مستوردين للقمح الروسي. علاوة على ذلك، ضاعفت موسكو صادراتها من الدواجن إلى الدول العربية خلال السنوات الأربع الماضية. وشهدت التجارة الروسية مع مصر، الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، زيادة مماثلة. ولا تزال مصر أكبر مستورد للحبوب الروسية، وتقوم شركة روساتوم ببناء محطة الضبعة النووية في البلاد.
كما لا تزال روسيا موردًا رئيسيًا للأسلحة إلى العراق والجزائر. وقد هُدّدت الجزائر بفرض عقوبات أمريكية لشرائها طائرات مقاتلة روسية من طراز سو-57. وحتى في سوريا، بعد الإطاحة بنظام الأسد، تمكّنت موسكو من بناء علاقات مع السلطات الجديدة والاحتفاظ بقاعدتين عسكريتين.
وعلى مدى السنوات الماضية، فشلت أوكرانيا، التي -هي نفسها- في أمس الحاجة إلى دعم واسع النطاق، في تقديم أي شيء للدول العربية يشجعها على قطع علاقاتها مع روسيا. ولم تبد المطالب الغربية بتقليص التعاون مع موسكو مقنعة بما يكفي للعرب، لا سيما في ظل المرحلة الجديدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الذي لا ينتقد شركاءه على انتهاكات حقوق الإنسان، على سبيل المثال، أصبح من الأسهل على الدول العربية التعامل مع الكرملين. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، لم تصوت أي دولة عربية لمصلحة قرار يدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويلاحظ انخفاض ملحوظ في عدد الدول المؤيدة للقرار، من 16 دولة إلى صفر. علاوة على ذلك، أدت محاولات واشنطن للتفاوض مع موسكو والتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا إلى زيادة الطلب على الوساطة العربية. ففي عام 2025، استضافت المملكة العربية السعودية محادثات روسية أمريكية، وفي فبراير/ شباط من هذا العام، أصبحت الإمارات العربية المتحدة مقرا لمشاورات ثلاثية تضم روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. كل هذا يسمح للدول العربية بالتعاون مع موسكو وحتى انتقاد كييف بثقة أكبر بكثير مما فعلت قبل أربع سنوات
• المقال اعداد عن دراسة لمعهد الشرق الأوسط في موسكو
The post دول العربية تتجه نحو دعم روسيا على الساحة الدولية appeared first on جريدة المدى.





