ضمن فعاليات معرض” كتاب الطفل”.. محاضرة لمودّة العقاد حول تنشئة طفل قارئ واستثمار القصة في تربيته
كيف ننشئ طفلاً قارئاً؟ وكيف نستثمر القصة في تربية الطفل؟ وغيرهما من الأسئلة التي طرحتها مودّة العقاد المتخصصة بعلم النفس العصبي خلال محاضرتها التي قدّمتها ضمن فعاليات “معرض كتاب الطفل” الذي تقيمه وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية.
بدأت العقاد ندوتها بطرح بعض الأسئلة على الأهل والأطفال الموجودين، وأجابوا عليها كلّ من تجربته، لتبدأ موضوعها بمقارنة بين الكتاب والشاشة سواء أكانت شاشة تلفاز أم هاتف نقال، تقول: “عندما نتحدّث عن القراءة، أكثر ما نفكّر فيه هو الصّراع بين الكتاب والشّاشة، ولا نستطيع إنكار أنّ الشاشات غيّرت خصائص نفسية واجتماعية فينا وفي أطفالنا، كاعتياد السّرعة وكثرة الألوان ووجود المثيرات وتنوّع المواضيع، كما أنّها لا تسبب الملل، ففيها أشياء مضحكة وخفيفة ولا تحتاج إلى جهد من المتلقي، حتّى أننا قد نحفظ الكثير من المقاطع المصورة من أجل تطبيقها، لاحقاً، وهذا ما لا يحصل”.
وتحدّثت العقاد عن تأثير الشاشة على هذا الجيل: “جعلت الشاشات من الجيل الجديد أقل صبراً ومهارات اجتماعية وأكثر مللاً وتطلّباً، بالتّزامن مع “نوستالجيا” حنين واشتياق لخصائص الجيل القديم المجتهد الذي كان يدرس على ضوء الشّمعة، ويتسلّق الجبال ويقطع الفيافي ليصل إلى مدرسته، وعقلنا ربط بين الكتاب والماضي وجعله رمزاً لذاك الجيل الذي نتغنى فيه أحياناً مقابل معاناتنا مع الجيل الحديث، مع أنه ليس بالضرورة أن يكون الكتاب فعلاً مرتبطاً بالجيل القديم”.

ثمّ بدأت العقاد تفكيك الحرص على القراءة والحرص على أن يكون أطفالنا قرّاءً، وتساءلت: “لماذا نشتري الكتب لأطفالنا؟ هل لنعالج مشكلة تربوية أم لنملأ وقتهم ونكبسهم القيم؟ أم لنعوّدهم على القراءة؟”، وتابعت: “لو اتفقنا أنّ الكتاب وسيلة، هذا لا يعني بالضّرورة أنه يمكننا استبدالها، ولا يعني أيضاً أنها تحمل قيمة، أي منتج مادي له قيمة فكرية ونفسية.. الأمر مثل الاختلاف بين السّوق التّقليدية و”المول”، بين الركض بالحديقة والرياضة في الصالة”.
لكن ما الذي يجعل من الكتاب قيمة؟ تبيّن العقاد: “الصبر والاستمرارية وإعمال الخيال، أي الطّفل هنا لا يكون متلقياً فقط، بل مشاركاً، أيضاً العمق والهدوء والتّركيز، وتضيف: “نحن لا ننشئ طفلاً قارئاً حتّى نحشوه معلومات، يجب أن أعرف ما هو هدفي من إنشاء طفل قارئ، هل هو رغبتي في أن يكون ابني مثقفاً من أجل “البريستيج”؟ أم كرهي للشاشة وتفكيري في ألا تؤثر سلبياً كما أثرت في حياتي؟ وهنا سيكون أسلوبي متوتراً وغير متوازن وضاغط، أما إذا كان هدفي هو أن يحبّ طفلي القراءة، لأن المحبّ للقراءة محب للتعلم وثري لغوياً وواسع الأفق وممتد الخيال وأكثر تعاطفاً وإحساساً باللحظة وبالعمل الذي يقوم به، ومفكر ومتفاعل، وهنا أسلوبي سيجعله يحبّ القراءة”.
لكن وعلى الرّغم من الحصول على المعلومات من الشاشات “يسعى البعض إلى الكتاب والقصص والأجواء المرتبطة بالقراءة، توضّح العقاد: “إذاً هل نستبعد الشاشة؟.. لا نريد العودة إلى هذا الصراع، فكل منهما يقدم شيئاً مختلفاً، لكن بشرط ضبط ما نقدمه لأطفالنا من خلال الشاشات، وللأمانة من يجد في منع الشاشات عن الأطفال فكرة ممتازة ورائعة أقول هذا أمر غير واقعي، وأي شيء غير واقعي أعتقد أن له ضرراً واقعياً، وضرراً على المربّي والطفل معاً، لأن المربّي يتبنى فكرة تولّد التوتر وعدم الرضا، فعندما لا يستخدم الإنسان أدوات عصره يتأخر ولا ينتمي، ومن هنا تأتي الخطوة الثانية لإنشاء طفل قارئ وهي توجيه استخدام الشاشات”.
أما الخطوة الثالثة لإنشاء طفل قارئ فهي بحسب العقاد إعادة تقديم القراءة بطريقة تجعلها قريبة من الطفل، تقول: “من أكثر الأمور التي تقدمها القراءة أهمية هي العلاقة الودودة مع الأهل، في حال كان الطفل بعمر الطفولة يعني قبل الثماني سنوات، وهذه فرصة لخلق جو ودود، نحضر الكتاب ونحضن الطفل ونقرأ معه بنبرة دافئة، وسليمة لغوياً، ونشاركه الكلام، وإذا كان بعمر أكبر من الممكن أن يكون لدينا روتين خاص للقراءة، ساعة محددة ويوم محدد ومكان مفضل”.
وتحدثت العقاد حول قصة ما قبل النوم وأهميتها: “هذا الوقت ممتاز لختام اليوم بشكلٍ لطيف، ولو استطاع الأهل تخصيص خمس دقائق ليتحدثوا مع أطفالهم ويقرؤوا معهم قصة لطيفة، لكانت النتائج جيدة جداً، فالقراءة تقدم خيالاً وتتيح للطفل فرصة الدخول إلى عالم القصة، فيضيف عليها ويعبر عن أفكاره ويكملها، لكن هذا لا يحدث فقط إن ملأنا المنزل بالقصص، ولا إن كنّا نحن قرّاء حتى يقتدي بنا طفلنا، لكن مع أهمية هذين الأمرين، صناعة طفل قارئ ومفكر ومتفاعل تتطلّب منا قراءة القصة مع الطفل، وليس القراءة له فقط، فالتفاعل يعطي شعوراً بالكفاءة على عكس التلقي السلبي، من خلال طرح أسئلة وفتح حوار مع الطفل، والمزج بين القصة ولعبة ما، وخلق جو من الضحك والمرح، كقراءة كلمة مختلفة قراءة كلمة بشكل خاطئ وانتظار الطفل حتى يصححها، أو رسم الشخصيات”.
أما الكتب التي يجب أن يقرأها الطفل، فنوّهت العقاد بأهمية التّنوّع وإعطاء الطفل حرية الاختيار أيضاً، ما يكسبه مهارات جديدة ومتعددة، ويبعد الملل عنه، ويشعره بالحرية والاستقلالية، مؤكدة ضرورة أن يكون الكتاب متاحاً للطفل، كأن تكون المكتبة مفتوحة وبأدراج منخفضة لكي يتسنى له اختيار أي كتاب يريد، وأضافت: “يمكن استثمار القصة تربوياً من خلال اختيار سلوك إشكالي وغرس القيمة وإكساب المهارة فالقصة لا تعلّم بشكل مباشر وهي مختلفة عن الوعظ، لأنها توسع نظر الطفل وتوفر له مساحة ليرى الموقف بشكل مختلف، كما أن القصة تساعد الطفل في التعامل مع المشاعر وامتلاك اللغة المناسبة للتعبير، كما تساعده على إدراك أن المشاعر طبيعية وأنه ليس غريباً أو وحيداً”.
وتذكّر العقاد ببعض الأخطاء الشائعة التي تحول دون الوصول إلى هدفنا، كأن يحوّل الأهل القصة إلى درس مباشر، ومقاطعة الطفل لتصحيح الفهم، أو مقاطعة الطفل لإكمال القصة أو اختيار قصص لا تناسب عمر الطفل، أو اختيار القصة للسيطرة على الطفل وتهديده، على خلاف ما فعلت في المحاضرة، تقول في تصريح خاص لـ”الوطن”: “حاولت استخدام القصة كمثال في الندوة والأمثلة العملية، وكنت سعيدة جداً بتفاعل الأطفال.. بالتأكيد لدينا مشكلة في قراءة الطفل ليس سورياً وعربياً فقط، بل عالمياً، لكن نحن بحاجة إلى أن تكون ثقافة القراءة منتشرة أكثر في سورية والعالم العربي، حتّى تكون جوهرية وأساسية، تعلّم التفكير والنقاش والنقد”.
وبسؤالها عمّا إن كانت اطّلعت على الكتب الموجودة في المعرض، أجابت العقاد: لفتني جمال الكتب وتنوّعها، وهذا أمرٌ مهمٌ جداً”.
الوطن ـ نجوى صليبه





