د.محمد صبحي العايدي : الثقافة (1): شهادات بلا ثقافة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
الثقافة ليست القدرة على الإتيان بالمصطلحات أو الحصول على الشهادات، ولا هي معرفة شيء من كل شيء، وهذا لا يقلل من أهمية العلم بحد ذاته، فهو من أعظم وسائل نهضة الشعوب وبناء الحضارات، وإنما المشكلة عندما يظن البعض أن الثقافة ما يجمعه الإنسان من معارف، ويهمل الشروط الأخرى لمعنى الثقافة، وهذا ما سنتعرض له في هذا المقال.
توهّم البعض أن ثقافة الإنسان بقدر ما يحمل من شهادات وألقاب علمية، حيث شكل هذا الوهم قاعدة: أن كل صاحب شهادة يمتلك بالضرورة ثقافة، بينما يثبت الواقع أن المعرفة لوحدها لا تصنع إنسانًا مثقفًا، فقد ترى من يحمل أعلى الدرجات الأكاديمية والتقنية، ولكنه يفتقد أبسط معاني الانتماء، والإنسانية، والسلوك الواعي، وقد يستخدم علمه في نشر الكراهية، أو تعميق الانقسام المجتمعي، أو تبرير الفساد، أو صناعة الفوضى الفكرية.
وفي هذا السياق يعرف الفيلسوف الأردني د. عزمي طه السيد الثقافة بأنها: «المعرفة العملية المكتسبة التي تنطوي على جانب معياري، وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي، في تعامله مع الوجود، والحياة الاجتماعية»، وهو تعريف يعيد الثقافة إلى معناها الحقيقي بوصفها ممارسة أخلاقية وسلوكية، لا مجرد تكديس للمعلومات، أو استعراض للنظريات، حيث تدور معاني الجذر (ثقف) على: الفهم، والتمكن، وتقويم السلوك، تقول العرب: «ثقَّف الرمح، أي قوّمه وسوّاه بعد اعوجاجه» وعليه فالثقافة: السلوك القويم المهذب المبني على المعرفة والفهم الصحيح.
هذا التعريف ينقلنا من كون الثقافة حالة نخبوية، إلى كونها وعيًا سلوكيًا جمعيًا، ينعكس في سلوك المجتمع وأخلاقه، وطريقة تعامله مع الإنسان والوطن، وليست امتيازًا تحتكره طبقة اجتماعية، أو أكاديمية بعينها، فالموظف الذي يجمع معرفة في مجال عمله فقط، ويترجمها سلوكًا واعيًا، ويحترم النظام، ويساهم في خدمة مجتمعه بصدق وأمانة، والمواطن الذي يحافظ على نظافة بلده، ولا يعتدي على الممتلكات والمرافق العامة، هو أكثر ثقافة ممن يتمتع بألقاب علمية ولا يملك وعيًا سلوكيًا حضاريًا، فيتحول إلى نموذج سلبي، ينفصل عن هموم المجتمع، ويتعامل مع المعرفة بوصفها استعلاء فكريًا، أو وسيلة جدلية، وشعارات فارغة، دون أثر حقيقي في البناء والإصلاح.
ومن هنا فإن الثقافة الحقيقية ليست كمية المعلومات، ولا عدد الجامعات، بل نوعية السلوك الذي تنتجه هذه المعرفة، والمسؤولية اليومية التي يتحملها تجاه وطنه ومجتمعه، ولذا فإن أخطر ما يصيب التعليم أن يتحول إلى مجرد وسيلة للترقي الاجتماعي، أو التفاخر الطبقي، فبناء الأوطان لا يحتاج فقط إلى أصحاب الشهادات، بل إلى الذين يحولون معارفهم إلى طاقة للبناء والنهضة.
كما أن فهم الثقافة بهذا المعنى لا يعني الانغلاق على الذات، أو القطيعة مع الثقافات الأخرى، فالثقافات عبر التاريخ تتأثر وتؤثر بحسب التفاعل الإنساني والتواصل الحضاري، لذا فإن معرفة الشعوب الأخرى، وفهم أنماط تفكيرها وسلوكها، ليس تهديدًا للهوية، بل ضرورة لفهم الآخر، وتحسين التواصل بين الشعوب المختلفة.
وفي هذا السياق، فإن الثقافة لا تعني المدنية بالمعنى المادي، فالأبنية والصناعات والتكنولوجيا والوسائل الحديثة، تمثل جانبًا عمليًا وتجريبيًا من التقدم الإنساني، وهي معارف مشتركة ينبغي الاستفادة منها وتطويرها، ومن الخطأ تحويل التقدم التقني إلى صراع هوياتي، لأن امتلاك أدوات الحضارة الحديثة، لا يتناقض مع الخصوصية الثقافية، بل يمكن دمج هذه المنجزات داخل المجتمع بما ينسجم مع قيمه ومبادئه الأخلاقية والإنسانية.
أما «الغزو الثقافي» فلا يتمثل في مجرد تبادل المعرفة، أو الاطلاع على ثقافة أخرى، وإنما يظهر حين تتحول بعض الأفكار الوافدة، أو الثقافات الأخرى، إلى قوة تغير في قناعات الإنسان وسلوكياته، بصورة تدفعه إلى التصادم مع منظومته الأخلاقية والقيمية، التي تستند إلى مرجعيته الحضارية، فالخطر ليس في المعرفة ذاتها، بل في غياب الوعي النقدي الذي يميز بين التفاعل الحضاري الواعي، وبين الذوبان الذي يفقد الإنسان توازنه وهويته.
وختامًا... يصبح الإنسان مثقفًا عندما تتحول معارفه إلى سلوك واع في حياته اليومية، فيحترم النظام العام، ويحافظ على البيئة والمرافق العامة، ويؤدي عمله بإتقان، ويساهم في استقرار مجتمعه، ويسخر علمه في البناء لا الهدم، فالثقافة تقاس بالأثر، لا بعدد الكتب التي قرأها الإنسان، أو الشهادات التي حصل عليها، فالمعرفة تصنع المتعلم، وأما الثقافة فتصنع الإنسان وتبني الأوطان.
* باحث في الفكر الإسلامي



