استعاد المركز الثقافي في أبو رمانة في دمشق، تفاصيل من ذاكرة مدينة “داريا”، خلال ندوة حوارية حملت عنوان “داريا أيقونة الثورة وقلعة صمودها”، قدّمها كل من الباحثين حسام اللحام وعامر خشيني اللذين استعرضا شهادات وتفاصيل عاشاها خلال سنوات الحصار والقصف والتهجير، وما رافقها من أحداث تركت أثراً عميقاً في ذاكرة السوريين.
واستعرض خشيني، الحاصل على إجازة في الاقتصاد والمنشق عن الجيش عام 2012، بدايات الحراك في “داريا”، داعياً إلى استحضار صورة المدينة قبل الثورة، باعتبارها مدينة جميلة تعيش فيها عائلات مستقرة، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر المدن السورية تعرضاً للقصف والحصار والدمار.
وأوضح أن الحراك في “داريا” بدأ سلمياً، وتركزت مطالبه على الإصلاح ومحاسبة الفاسدين، قبل أن يواجه بالقمع والقتل، الأمر الذي دفع المدنيين لاحقاً إلى تشكيل مجموعات بأسلحة محدودة بهدف حماية أنفسهم.
واستذكر خشيني أحداث حماة عام 1982، معتبراً أن ما شهدته “داريا” من عمليات عسكرية وقصف واسع أعاد إلى الأذهان مشاهد تلك المرحلة، لافتاً إلى أن القصف طال مناطق مدنية ومنشآت خدمية، بينها مدارس ومستشفيات، ولم يقتصر على مواقع انتشار مقاتلي “الجيش الحر”.
وأشار إلى أن ما جرى في “داريا” كان جزءاً من سياسة تهدف إلى كسر إرادة السكان وتوجيه رسالة لبقية المدن السورية، مؤكداً أن الهجمات التي شهدتها المدينة خلّفت عدداً كبيراً من الشهداء.
وأضاف خشيني في حديث خاص لـ”الوطن”: إن إحياء ذكرى المجزرة بات ضرورة، ولا سيما أن شريحة واسعة من الأجيال الجديدة لا تعرف تفاصيل ما حدث، مشدداً على أهمية نقل تضحيات السوريين ودمائهم إلى الأجيال المقبلة، والحفاظ على السردية التاريخية الحقيقية من التزييف أو التغيير.
وبيّن أن توثيق الأحداث بصورة دقيقة يمثل مسؤولية تقع على عاتق أبناء المرحلة، لأن مستقبل سوريا سيكون بيد الأجيال الجديدة، التي يجب أن تعرف حجم التضحيات التي سبقت وصول البلاد إلى مرحلة التحرير والحرية، ما يسهم في منع تكرار مثل هذه المآسي مستقبلاً.
بدوره، تحدث حسام اللحام، القائد العسكري السابق في “الجيش الحر”، والذي عمل مسعفاً في “داريا” خلال فترة الحصار قبل تهجيره إلى مدينة إدلب، عن التحوّل الذي طرأ على طريقة إحياء ذكرى المجزرة.
وأوضح أن الحديث عن المجزرة كان في السابق يجري بصورة هامسة ومحدودة بين الأهالي، فيما أصبح اليوم بالإمكان الحديث عنها علناً، معتبراً أن ذلك يمثل تحولاً مهماً في التعامل مع الذاكرة السورية.
وأوضح أن “داريا” خرجت للمطالبة بالحرية والكرامة، إلا أن الرد كان حملة قمع واسعة، مؤكداً أن المجزرة شكّلت نقطة فاصلة في تاريخ المدينة، وأن هدف الهجوم كان كسر إرادة السكان وقادة الحراك وتوجيه رسالة إلى بقية المدن السورية.
واستعاد اللحام تفاصيل الهجوم على “داريا”، موضحاً أن القوات بدأت التقدم من الجهة الشرقية للمدينة باستخدام الدبابات والمدرعات والمدفعية، في مشهد وصفه بأنه كان غير مسبوق بالنسبة للسكان، قبل أن تبدأ عمليات الاقتحام والقتل بصورة عشوائية.
وأكد أن ما عاشته “داريا” لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل مأساة إنسانية تركت جروحاً عميقة في نفوس سكان المدينة والمقاتلين والمدنيين على حد سواء، لتبقى ذكراها جزءاً من الذاكرة السورية التي سعت الندوة إلى بقائها حاضرة وموثقة أمام الأجيال القادمة.
من جانبه، أكد مدير المركز عمار على أهمية توثيق المجازر التي شهدتها سوريا، وفي مقدمها مجزرة “داريا”، معتبراً أن استعادة هذه الوقائع ليست استدعاءً للحزن بقدر ما هي مسؤولية تجاه الضحايا والأجيال المقبلة.
وقال في تصريح خاص لـ”الوطن”: “لكل شهيد قصة وحلم وعائلة، وأن توثيق ما جرى يأتي بهدف حفظ الذاكرة الوطنية ومنع طمس الحقائق أو نسيان الجرائم”، مشدداً على ضرورة تعريف الأجيال الجديدة بما دفعه السوريون من أثمان باهظة للوصول إلى الحرية.
وأشار إلى أن أول ما يحلم به القاتل هو أن تُنسى المجزرة، وعلينا أن نُجهض حلمه، مؤكداً أن استحضار هذه الأحداث يهدف إلى بناء وعي لدى الأبناء، والحفاظ على الحقيقة التاريخية، ومنع تكرار المآسي.


