داود الشريان.. آخر الصحافيين المجانين
وأنت تستمتع بمشاهدة حلقات برنامج "الصندوق الأسود" مع داود الشريان، تشعر منذ اللحظة الأولى أن الأمر يتجاوز عرض سيرة صحافية طويلة مليئة بالتجارب؛ أنت أمام تشريح علني لظاهرة إعلامية استثنائية. عمار تقي، بأسلوبه الحواري الذكي والهادئ، فتح الفضاء للشريان كي يحلّق وحيدًا، ويخرج الأسرار والحكايات من القمقم المكتوم. كان الشريان يتنقل في حديثه بين المنعطفات، مخلّفًا وراءه جرعات مكثفة من الدهشة، والمفاجآت، والأزمات المركبة. وبحسه الفكاهي الساخر، وقدرته العميقة على طرق كنوز السرد، استطاع في كل إجابة أن يدمج ببراعة بين المعلومة، والتحليل السياسي النافذ، وقراءة أعماق التجربة بأدوات فكرية واعية. ولعل الملمح الأكثر جاذبية في هذا البوح، هو أن داود، وبالرغم من تعاقب الكوارث المهنية على مسيرته، ظل متصالحًا مع ما حدث، ساخرًا من التقلبات، محوّلًا الألم الشخصي والمهني إلى حكاية مشوقة تسيل عذوبة وتدفقًا. يمتلك داود ناصية الحكي بصبغة فنية خالصة؛ فذلك الولع القديم بالمسرح، وتلك الأحلام الباكرة بالاشتغال في الفنون، صنعا في داخله بذرة درامية ظلت كامنة، تتبدى ملامحها في كل تفاصيل مسيرته الخارجة عن الخطوط الهندسية الصارمة للإعلام التقليدي. أما الخلفية الثقافية والقراءات التأسيسية الباكرة، فهي التي عجلت بولادة صحافي من طراز مختلف؛ صحافي لا يرتهن إلى السائد، يقتحم المشهد بعقل مثقف، وأدوات سياسية، وذكاء حاد مشبع بالانطلاق. يتضح هذا البعد الفكري بجلاء في تجربته الباكرة لقيادة "مجلة الدعوة"، التي جاء إليها لينتشلها من سباتها التقليدي في مواجهة المنافسة الشرسة من مجلة "المجتمع" الكويتية التي اكتسحت الأسواق آنذاك. بقرارات شجاعة، قرر الشريان تغيير الخطاب الصحافي ونوع المحتوى، ناقلًا المطبوعة من إطارها المدرسي الجامد إلى المطبخ الصحافي الاحترافي المشتبك مع القضايا الجدلية وأحداث الساعة. كانت المحطة الفاصلة مع الضجة التي صاحبت كتاب "آيات شيطانية". وبالرغم من صدور تعميم المنع الصارم للتطرق إلى الموضوع، تغلّب "المثقف والصحافي المشاكس" في داخله على التوجس التقليدي، مدفوعًا بجرأة من يعي دور الصحافة وكيف تكون رقمًا صعبًا في وسط فكري لا يقبل بأنصاف الحلول. كانت النتيجة الحتمية هي الاستغناء عنه بقرار من مجلس الإدارة الذي رأى في داود التصرف بمستقبل المطبوعة دون الرجوع إليه في قرارات مهمة. خرج داود من تلك التجربة بألم حقيقي، لأنها كانت لقمة عيش ممتزجة بالشغف الوجودي والتجربة الفكرية، غير أنه خرج بروح أشد صلابة، تدرك وعورة الطريق، وضريبة أن تكون أنت كما أنت على أرض الواقع. لكن الصحافي الحقيقي يعيش دائمًا بهذه اللوثة النبيلة؛ اللوثة التي ما إن يفقدها حتى يفقد ألقه وروحه، ليتحول إلى مجرد موظف في الظل، يلوذ بالجدران الباردة التي لا تصنع تاريخًا ولا تترك أثرًا في وجدان الناس. في جميع تجاربه، كان داود الشريان يندفع بإيمان راسخ بأن البقاء في الهامش، والتعاطي مع الصحافة كـ"وظيفة بيروقراطية"، هو خيانة للمهنة والضمير الوطني. مضى منافحًا عن هذا الإيمان في تجربة "جريدة المسلمون"، فأعاد لها الوهج، مخرجًا إياها من دائرتها الأيديولوجية الضيقة ليجعلها صوتًا مسموعًا ومؤثرًا بين النخب الدينية والفكرية والثقافية. كان يهندس المكان، ويعيد بناء المنظومة بهوية رصينة وتيارات أكثر رحابة وانفتاحًا على الجميع. ولم تخلُ التجربة من زوابع، كالمقال الشهير لجلال كشك في رده على الشيخ محمد الغزالي، والذي أثار عاصفة لدى أبناء حافظ، وهم من ملاك الصحيفة، الذين اعتبروا الغزالي منطقة محرمة لا يجوز المساس بها، ناهيك عن حكاية فتوى الشيخ ابن عثيمين حول تقصير شعر الفتيات، والتي تراجع عنها الشيخ بعد أيام من نشرها؛ وكلها شواهد على أن داود كان يبحث دائمًا عن المتن. وتجلت تجربته الأرحب مع "جريدة الحياة"، حيث السقف المرتفع والفضاء الممتد للتمدد والتأثير، وإن كان داود الفنان والصحافي لا يمكن أن يسلم من خصومات ومعارك جراء مقالاته وأفكاره الحادة. ومنذ البداية تميزت مسيرة داود الشريان بمسار مهني متحول صاغه وعي عميق بالمجتمع وقدرة على قراءة تحولاته؛ بدأ صحافيًا يمتلك أدوات تحليل سياسية وفكرية، مر بمرحلة التقارب الفكري والاقتراب من بعض الجماعات الدعوية، قبل أن يعود إلى الفضاء الصحافي برؤية أوسع وخبرة اجتماعية وروحية أثرت شخصيته المهنية. ومع انتقاله إلى الشاشة عبر برنامج "المقال" في تلفزيون دبي، اقتحم الإعلام السياسي بجرأة أكبر محققًا نجاحات نوعية بلقاءات مع كبار الساسة من تباينات مختلفة مثل مادلين أولبرايت، وخالد مشعل، ومحمد دحلان، وسمير جعجع، ووليد جنبلاط. برزت حينها قدرته الفائقة على إدارة الملفات الحساسة وطرح الأسئلة الصعبة بثبات، مستندًا إلى إمكانات مهنية متكاملة. في لحظة مفاجئة، جاء قرار العودة إلى الوطن باتصال من الديوان الملكي يبلغه بتعيينه عضو مجلس إدارة في قناة "العربية" بأمر من الملك عبدالله، يرحمه الله، فجاءت تجربة برنامج "الثامنة" كأكبر تجلٍّ لهذا النزوع نحو الشارع؛ التجربة التي أنزلت الإعلام من أبراجه العاجية وفخامته المصطنعة إلى قلب الرصيف، آخذة البسطاء إلى الشاشة، تتبنى قضاياهم، وتسمع صوتهم، وتكاشف المسؤول في مواجهة علنية نادرة، راصدة ومحللة همومهم اليومية. وهنا تجلت خلطة النجاح الحقيقية وسر كاريزما داود وتألقه اللافت. يكمن هذا التميز الإعلامي في شخصيته التلقائية وعفويته وجرأته، ولغته القريبة من الناس بنبرة نجدية شعبية مخففة، وأسلوبه الممتد من روح الناس بحس فكاهي عذب، واستخدامه خطابًا يلامس الوجدان العام. يتحدث بآلام الناس، بلغتهم واهتماماتهم اليومية دون تعالٍ أو تنظير، مكرسًا حضور الصحافي القريب لا الموجه الغريب. كان البرنامج صوتًا للناس وعونًا حقيقيًا في حل الكثير من الملفات المتعلقة باحتياجاتهم الأساسية. وما جعل "الثامنة" تتصدر أرقام المشاهدات القياسية، هو مجيئه في وقت كان الإعلام فيه غارقًا في برامج تجميلية وفنية معلبة، لا تلامس هموم الإنسان البسيط، ولا تقترب من طموحات النساء والشباب. جاء داود لينافس أعتى البرامج التلفزيونية، محتلًا المرتبة الأولى في "الترند" اليومي، كاسبًا الجولة بامتياز، ومستحوذًا على الثقة والتعاطف الشعبي الجارف، لتصبح تجريدته الفضائية "الوجبة الإعلامية الأكثر صخبًا" في الشارع السعودي. وبالرغم من تجربته الثرية الممتدة في الصحافة الورقية والفضائيات، إلا أن هذا الاقتراب الحميم من الناس هو الذي خلد اسم داود في الذاكرة الجمعية، صاعدًا بنجوميته من الفضاء النخبوي الضيق إلى النجومية الشعبية العريضة. لم يتوقف النجاح عند "الثامنة"، بل تجاوزه إلى عمل صحافي لا يُنسى حين حاول تفكيك آليات الإرهاب والتطرف عبر مقابلاته الشهيرة مع موقوفين من تنظيم القاعدة، وهو العمل الذي حمل بصمة داود وجرأته واقتحامه أسوار المستحيل. أما مشاكساته المهنية وجرأته في الطرح، فقد قادته خلال مسيرته لقرارات حاسمة ولقاءات استثنائية مع القيادة السياسية ممثلة بالملك عبدالله والملك سلمان والأمير سلطان، وهي محطات أسهمت في ترسيخ حضوره وتعزيز مكانته كصحافي يمتلك أدوات تحليل متكاملة تجمع بين البعد السياسي والفكري والاجتماعي. وهكذا تشكلت شخصية داود الشريان: صحافي استراتيجي، جريء، مؤمن بدور المهنة، وقادر على تفكيك المشهد وصياغة خطاب إعلامي يعكس نبض المجتمع. لم تكن هذه التجربة وتحولاتها العاصفة محفوفة بالورد، فقد دفع داود ثمن هذا الجنون الصحافي في كثير من مراحل رحلته المهنية، حتى رأى بعينيه كيف تتجنب بعض المؤسسات التعامل معه. لكنه المقاتل المؤمن بنفسه وموهبته لم ييأس ويرتكن إلى هذا الألم؛ كان يقفز على جراحه في تجارب جديدة أشد صخبًا وأكثر ألقًا، مدفوعًا بفلسفته: "الصحافي الذي لا يخطئ يجب عليه أن يترك المهنة". كان الخطأ جزءًا من تجربة التجريب والمحاولة والاجتهاد، في عالم مليء بالأشواك والحفر وسوء الظن أحيانًا. وهكذا هي حكاية داود الشريان؛ إنه "الترند" في كل تجربة وموقف. هو من يصنع إطار المغامرة، يجس نبض الشارع، ثم يأخذ المطبوعة أو المنبر التلفزيوني إلى سقفه الأعلى، وإن كان داود الفنان والصحافي لا يمكن أن يسلم من خصومات ومعارك جراء مقالاته ومواقفه وأفكاره الحادة. وسواء اتفقنا مع داود الشريان أو اختلفنا معه، خصوصًا في تجربته الجدلية اللاحقة في رئاسة "هيئة الإذاعة والتلفزيون"، إلا أنه يظل صاحب بصمة خالدة وعلامة فارقة في تاريخ الإعلام السعودي. جاء في فترة كان فيها المشهد أحوج ما يكون إلى صحافي مجنون يحترف هذا النوع من المشاكسة، والتجريب، والاشتباك الذكي مع السقوف الجاهزة. واليوم، يحتاج المشهد أكثر من أي وقت مضى إلى عودة الشريان إلى البرامج التلفزيونية، خاصة البرامج السياسية الحوارية، التي تفتقد هذا النوع من الصحافيين أصحاب الخبرة الممتدة والوعي الفكري والجرأة في الطرح والحضور.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




