دعم ثورة الشعب السوري.. أحمد قعبور “صوت القضية الحي” وصاحب ملحمة “أناديكم
يُعرف الفنان اللبناني أحمد قعبور كأحد أبرز وجوه الأغنية الملتزمة، وارتبط اسمه بالأعمال الفنية المعبّرة عن هموم الإنسان، لتشكّل الملحمة الغنائية “أناديكم” من تأليف الشاعر الفلسطيني توفيق زياد نقطة انطلاق لمسيرته الفنية.
ونعاه رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري في منشور عبر “فيسبوك”، واصفاً إياه بـ”الفنان المبدع”، مؤكداً أن اسمه سيبقى علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم، وأن أحياء بيروت ستحفظ ألحانه وتردد “أناديكم” و”علّوا البيارق”.
تميّز قعبور بأسلوب فني بسيط وعميق في آن واحد، حيث اعتمد على ألحان مباشرة وقريبة من الأذن، مع قدرة على المزج بين الغناء الفردي والكورال، ما أضفى على أعماله طابعاً جماعياً، كما اتسم صوته بالدفء وشيء من الخشونة الخفيفة، ما منحه صدقية عالية لدى الجمهور، ورفض طوال مسيرته الانخراط في المسار التجاري، متمسكاً بفكرة الفن كوسيلة تعبير ورسالة، لا كسلعة استهلاكية.

ولد قعبور في بيروت عام 1955 ونشأ في بيئة فنية متأثراً بنغمات والده محمود الرشيدي، أحد عازفي الكمان الأوائل في لبنان، وبزوج عمته الفنان الشعبي محمد شامل الذي اشتهر بلقب “المختار”، وبدا اهتمامه بالموسيقا منذ عمر العاشرة، وكان أستاذه الأول الموسيقي اللبناني سليم فليفل الذي علّمه معنى الغناء قبل أن يعلمه إياه، فأدرك أن الفن مسؤولية وموقف، وتشكّل موقفه من العالم عبر قربه من مخيم “صبرا” حيث التقى الفلسطينيين، فأصبح من الصعب عليه أن يفصل قضية فلسطين عن فنه الذي صدح بها وبالمقاومة، حتى إن محمود درويش، حين سمعه، ظنه فلسطينياً.
درس في “الكلية البطريركية” و”مدرسة البر والإحسان”، قبل أن يتخرج في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية عام 1978، ليصقل موهبته في الموسيقا والفن المسرحي، وبدأ حياته الفنية ممثلاً وشارك في أعمال سينمائية ومسرحية، قبل أن يتفرغ بشكل كامل للموسيقا والغناء، ليصنع صوتاً فريداً يجمع بين الفن والرسالة الإنسانية والوطنية.
ولقب الفنان اللبناني الراحل بـ”صوت القضية الحي”، وهو الذي عُرف عنه دعمه الدائم للقضية الفلسطينية، فلطالما وقف إلى جانب الفلسطينيين طوال مسيرته، منذ أن قدّم لحنه الأوّل منتصف سبعينيات القرن الماضي، لقصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زياد “أشد على أياديكم”، وأصبحت أغنية “أناديكم” من أكثر الأغاني تعبيراً عن المأساة الفلسطينية، شأنها في ذلك شأن أغانٍ كثيرة شهيرة من ألحانه مثل “يا نبض الضفّة”.
ومن أشهر أغانيه أيضاً “يا رايح صوب بلادي” و”أحن إلى خبز أمي”، كما قدّم أيضاً أغنيات وجدانية عن مدينته بيروت حملت بُعداً إنسانياً وشعبياً وتراثياً مثل “بيروت زهرة” و”نحنا الناس” و”بدي غني للناس”.
ولم يحصره تخصصه في الشأن اللبناني والفلسطيني عن تأثيره العابر للحدود، بل عبّر عن موقفه الداعم للشعب السوري في ثورته ضد نظام الظلم والطغيان، بغنائه في تظاهرة “وطن يتفتح حرية” في الدوحة عام 2012، بمشاركة فنانين ومثقفين سوريين وعرب.
وكان للأطفال الحيز الكبير في إنتاج قعبور حيث لحن وغنى ألبوم أغنيات من كتابة الشاعر حسن العبد الله، كما ساهم في تلحين وغناء مسرحيات للأطفال، أبرزها أغاني مسرحية “شو صار بكفر منخار” ومسرحية “كله من الزيبق”.
على الرغم من مسيرته الطويلة، لم يتوقف قعبور عن الإبداع، وأصدر ألبومه الرقمي الجديد “ما عند مينا”، الذي ضم ثماني أغنيات تناولت موضوعات مختلفة بين الحب والوطن والهويّة والحرية.
وفي مجال التمثيل، شارك في مسلسلي “ندم” عام 1989 و”النار بالنار” عام 2023 وغيرهما، وفي فيلم “ناجي العلي” عام 1992.
كما ألّف الراحل الموسيقا التصويرية لعددٍ من المسلسلات السورية، منها: “بقايا صور، البحث عن صلاح الدين، أبو الطيب المتنبي”.
في عام 2016، نال “جائزة القدس للثقافة والإبداع” تقديراً لدوره في الإبداع المقاوم وحضوره اللافت في الأغاني التي تناولت القدس وفلسطين.
وبوفاته يوم أمس، يودع العالم العربي صوتا شكّل جزءاً من وجدانهم الجمعي، تاركاً إرثاً فنياً وإنسانياً حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة.



