د. يوسف منصور : رفع الأفضلية السعرية للمنتج الوطني إلى 20%: سياسة صناعية ذكية أم حماية اقتصادية؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أثار قرار الحكومة رفع الهامش التفضيلي للمنتج الوطني في المشتريات الحكومية من 15% إلى 20% نقاشاً اقتصادياً مهماً بين من يرى فيه دعماً ضرورياً للصناعة الوطنية ومن يعتبره زيادة محتملة في كلفة المشتريات الحكومية. إلا أن تقييم القرار يتطلب النظر إليه من زاوية أوسع من مجرد المقارنة المباشرة بين سعر المنتج المحلي وسعر المنتج المستورد.
في ظاهر الأمر، قد يبدو أن رفع الأفضلية السعرية يعني أن الحكومة ستدفع أسعاراً أعلى لبعض مشترياتها. فإذا تقدمت شركة أجنبية بعرض قيمته 100 ألف دينار، وتقدمت شركة أردنية بعرض قيمته 120 ألف دينار، فإن الهامش التفضيلي الجديد قد يسمح بمنح العطاء للشركة الأردنية. ومن هنا ينطلق الرأي القائل إن المال العام يجب أن يُنفق بأقل كلفة ممكنة.
لكن هذا التحليل يتوقف عند لحظة الشراء ولا يتابع ما يحدث بعد ذلك داخل الاقتصاد. فالحكومة ليست مجرد مشترٍ عادي، بل تعد أكبر مشترٍ منفرد في الاقتصاد الأردني. وعندما تشتري الحكومة منتجاً محلياً، فإن جزءاً كبيراً من قيمة الصفقة يتحول إلى أجور للعاملين الأردنيين، وأرباح يعاد استثمارها داخل المملكة، ومشتريات من موردين محليين، وضرائب ورسوم وإيرادات تعود إلى الخزينة العامة. أما عندما يتم شراء المنتج المستورد، فإن جزءاً كبيراً من قيمة الصفقة يغادر الاقتصاد الوطني مباشرة، ولا يبقى داخله سوى جزء محدود من القيمة المرتبطة بالنقل أو التوزيع أو التخزين.
كما أن القرار يكتسب أهمية خاصة في اقتصاد صغير نسبياً مثل الاقتصاد الأردني. فالشركات الأردنية لا تنافس شركات أجنبية تعمل في ظروف مماثلة، بل تنافس شركات تنتمي إلى اقتصادات ضخمة تتمتع بما يعرف في علم الاقتصاد بـ "اقتصاديات الحجم". فالشركة العالمية التي تنتج لملايين أو مئات الملايين من المستهلكين تستطيع توزيع تكاليفها الثابتة على حجم إنتاج ضخم، مما يخفض كلفة الوحدة المنتجة ويمنحها ميزة سعرية لا تستطيع معظم الشركات الأردنية مجاراتها.
ولهذا فإن كثيراً من الشركات التي تعتبر كبيرة وفق المعايير الأردنية تبقى صغيرة جداً عند مقارنتها بالشركات الإقليمية والعالمية. ومن غير الواقعي أن نتوقع من شركة تعمل في سوق محلي محدود الحجم أن تنافس فوراً شركات عالمية تتمتع بأسواق أوسع، وتمويل أكبر، وشبكات توزيع عالمية، ودعم حكومي مباشر أو غير مباشر.
ومن هنا يأتي الدور التنموي للمشتريات الحكومية. فالحكومة لا تستخدمها فقط لتأمين احتياجاتها، بل أيضاً كأداة لبناء القدرات الإنتاجية المحلية وتوسيع قاعدة الصناعة الوطنية وتعزيز التشغيل. وعندما تحصل المصانع المحلية على طلبات إضافية من الحكومة، فإنها تزيد إنتاجها وتوظف مزيداً من العمال وتستثمر في خطوط إنتاج جديدة وتراكم الخبرات والمعرفة الفنية.
واللافت أن هذا النهج ليس استثناءً أردنياً، بل يمثل جزءاً من التجربة التنموية لمعظم الدول التي نجحت في بناء قواعدها الصناعية. فالتجربة الكورية الجنوبية اعتمدت لعقود على مزيج من الحماية الانتقائية والدعم التمويلي والمشتريات الحكومية الموجهة لبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة العالمية. كما استخدمت الصين السياسات الصناعية والدعم الحكومي والمشتريات العامة وحوافز التصدير لبناء صناعاتها قبل أن تتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
بل إن الدول التي تقدم نفسها اليوم باعتبارها حاملة لواء التجارة الحرة لم تصل إلى مكانتها الحالية عبر التجارة الحرة المطلقة. فالولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين اعتمدت على رسوم جمركية مرتفعة وسياسات حمائية لحماية صناعاتها الناشئة حتى أصبحت أكبر اقتصاد صناعي في العالم. وكذلك فعلت بريطانيا خلال مراحل طويلة من صعودها الاقتصادي، كما استفادت هولندا وغيرها من القوى التجارية الأوروبية من سياسات دعمت شركاتها الوطنية وأساطيلها التجارية وأسواقها المحلية.
أما اليوم، فما زالت أكبر الاقتصادات العالمية تمارس أشكالاً مختلفة من التحيز للمنتج المحلي. فالولايات المتحدة تطبق برامج "اشترِ الأمريكي" في العديد من العقود الحكومية، كما تقدم دعماً واسعاً للصناعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات والطاقة النظيفة. والاتحاد الأوروبي يطبق بدوره سياسات صناعية ودعماً مباشراً وغير مباشر لعدد من القطاعات. وحتى الصين، التي تعد أكبر مصدر في العالم، تمنح المنتج المحلي أفضلية في العديد من المشتريات الحكومية.
ولعل من اللافت أيضاً أن اتفاقية المشتريات الحكومية التابعة لمنظمة التجارة العالمية ليست اتفاقية ملزمة لجميع أعضاء المنظمة، بل اتفاقية اختيارية. ولذلك فإن غالبية الدول النامية لم تنضم إليها، ومن بينها اقتصادات كبيرة ومؤثرة مثل الهند. والسبب بسيط: تنظر هذه الدول إلى المشتريات الحكومية باعتبارها أداة من أدوات التنمية الصناعية والتشغيل ونقل التكنولوجيا، وليس مجرد وسيلة للحصول على أقل سعر ممكن.
وفي الحالة الأردنية، فإن رفع الهامش التفضيلي من 15% إلى 20% لا يمثل خروجاً عن الممارسات الدولية، بل يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية استخدام القوة الشرائية للحكومة في دعم الإنتاج المحلي. فكل دينار إضافي يذهب إلى الصناعة الوطنية لا يدعم مصنعاً واحداً فحسب، بل يدعم شبكة واسعة من الموردين والعاملين والخدمات المرتبطة بالإنتاج.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن الأفضلية السعرية يجب أن تتحول إلى حماية دائمة وغير مشروطة. فالمطلوب أن تبقى أداة لتعزيز القدرة التنافسية وليس بديلاً عنها. وينبغي أن ترتبط بجودة المنتج المحلي، ونسبة المكون المحلي، وقدرته على خلق فرص العمل والقيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. فالحماية الناجحة هي التي تقود إلى المنافسة، لا تلك التي تحل محلها.
في المحصلة، يبدو رفع الهامش التفضيلي للمنتج الوطني إلى 20% خطوة اقتصادية منطقية في المرحلة الحالية. فهي لا تمثل مجرد زيادة في الحماية، بل تعكس توجهاً نحو استخدام المشتريات الحكومية كأداة للسياسة الصناعية والتنموية. وقد تكون الكلفة المباشرة على بعض العطاءات أعلى قليلاً، إلا أن العائد الاقتصادي الأوسع من حيث التشغيل والاستثمار والدخل والضرائب والقيمة المضافة المحلية قد يفوق هذه الكلفة بأشواط. فالتجارب الدولية تعلمنا أن الدول التي نجحت في بناء صناعات قوية لم تكتفِ بالدعوة إلى المنافسة، بل عملت أولاً على بناء القدرة على المنافسة.



