د. رويده زهير العابد : اقتصاد المشاعر والتربية العاطفية
التربية عملية تحمل طابعا ذا أبعاد شاملة متكاملة لبناء شخصية سوية من
جميع الجوانب الجسمية، والعقلية، والصحية، والروحية، والنفسية، والاجتماعية
والثقافية؛ وهذه التربية ينبغي أن تكون تربية متوازنة، ولا يمكن أن نغفل
عن التربية العاطفية التي تمثل بعداً من أبعاد التربية الوجدانية، والتي لا
يمكن تجزئتها عن أبعاد التربية الشاملة.
فالتربية العاطفية تتداخل
مع التربية النفسية المرتكزة على المشاعر كالحب، والتعاطف، والثقة بالنفس،
وضبط الانفعالات؛ وكذلك الأمر تتداخل والتربية الأخلاقية المبنية على تكوين
القيم كالصدق، والرحمة، والاحترام، واتخاذ مواقف إنسانية ايجابية، فضلا عن
ذلك لها دور كبير في صقل التربية الاجتماعية التي تسهم في تحسين العلاقات
مع الآخرين وتنمية مهارات التواصل والتعاون.
نلاحظ مما سبق أن هناك
العديد من القيم المرتبطة بالمشاعر والوجدان التي تعد المحرك الأساسي لهذه
القيم فكما نعلم أن بداية تمثل القيم تكون باعتناق أفكار تتحول إلى مشاعر
ومن ثم إلى سلوك مطبق على ارض الواقع؛ وبكل تأكيد هذه أداة وسلاح عادة ما
يستغله أصحاب الغزو الفكري الآن، بحيث يتم فرض خوارزميات من قبل شخص ضد شخص
أو مجتمع ضد مجتمع أو دولة ضد دولة أخرى أو مؤسسة ضد مؤسسة؛ من اجل إثارة
مشاعر قد تكون هذه المشاعر سلبية أو ايجابية، فمثلاً عندما يريد بائع ترويج
سلعته والإعلان عنها، يقدم محتوى ومشاهد إعلانية تثير السعادة والفرح داخل
نفس الشخص الذي تملك هذه السلعة، بغض النظر سواء كانت بيتا أو قطعة ارض أو
سيارة أو أثاث بيت أو ذهباً أو ملابس أو رحلات أو السفر، ومن جهة أخرى
التلاعب بالمشاعر لإثارة مشاعر سلبية في حال عدم اقتناء ما سبق ذكره، وهنا
ندرك أن المشاعر قيمة تدار وتستثمر، لذلك لا بد من الوعي والتحكم وضبط ردود
أفعالنا تجاه المشاهد في منصات التواصل الاجتماعي والعلاقات السامة،
وتربية أنفسنا وأبنائنا على حسن إدارة المشاعر، والاقتصاد بها وفق منهج
سليم قويم.
فاقتصاد المشاعر هو مفهوم يشير إلى الذكاء العاطفي الذي
يضبط ويدير المشاعر الإنسانية كالفرح والخوف والقلق والغضب والتعاطف في ظل
المواقف المختلفة في أي زمان ومكان، حتى نحد من الاستنزاف أو المبالغة
والإفراط في التأثر، بحيث نزيد من اليقظة والوعي والانتباه واتخاذ القرارات
السليمة المبنية على التدبر، والتفكر، والتأمل، بالاستناد إلى القواعد
الفكرية، والأخلاقية والقوانين، والأنظمة، والتعليمات مع مزيج من المشاعر
المضبوطة بشكل منطقي، وذلك من اجل ضمان سير العمل والحياة اليومية على ما
يرام في جميع المهن، والأدوار، والمراكز الاجتماعية المختلفة. ــ الراي




