... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
251277 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6257 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

د. موسى الرحامنة : حابس المجالي: آخر الحُرَّاس على بوابة الدولة

أخبارنا
2026/04/24 - 02:23 501 مشاهدة

في سِيرِ الأمم، ثمّة رجالٌ لا يمرون على الذاكرة مرور العابرين، بل يتركون في جسد الدولة ندوبًا من المجد، وعلامات لا تُمحى من الذاكرة الوطنية؛ ومن بين أولئك، يقف حابس المجالي بوصفه واحدا من أعمدة التأسيس الصلب، ورجلا اختصر في مسيرته معنى الدولة حين تكون في طور التشكل، وحين تكون في مواجهة العاصفة.

ولد حابس عام 1910 ، في لحظة لم تكن عادية في تاريخ الأردن، بل في قلب ثورة الكرك، تلك اللحظة التي اختلط فيها الدم بالكرامة، والسجن بالولادة؛ فلم يكن قدره أن يأتي إلى الدنيا في هدوء ؛ فقد كانت أمه، المرأة التي تُسجل في التاريخ كأول امرأة تُسجن على خلفية الثورة، تحمل به خلف القضبان، بينما كان والده، الزعيم رفيفان المجالي، يقبع في السجن ذاته؛ وحين جاء خبر المولود، لم يستأذن الأب في الفرح، بل في الاسم؛ فاختار له حابس"، وكأن الاسم نبوءة : رجل سيحبس الفوضى، ويكسر ارتباك اللحظة، ويقف سدا أمام الانهيار.

شب حابس على إرث من الكبرياء الوطني، فانخرط في الجيش، لا كوظيفة، بل كامتداد طبيعي لسيرة بدأت بالثورة؛ وفي معركة اللطرون ومعركة باب الواد، لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل قائدا يصنع الفارق؛ فاستحق أن يصف عبد الله الأول بن الحسين كتيبته بـ "الكتيبة الرابحة"، في شهادة تختصر شجاعة الميدان وصلابة القرار.

وفي يوم من أثقل أيام التاريخ الأردني، كان إلى جانب الملك المؤسس في المسجد الأقصى، حيث استشهد عبد الله الأول بن الحسين؛ وهناك، لم يكن حابس شاهدًا فقط، بل صانع لحظة؛ إذ أنقذ الفتى الذي سيصبحلاحقا " الملك الحسين بن طلال"، ليحفظ بذلك استمرارية الدولة في لحظة كانت تنذر بالانهيار.

لكن عظمة حابس لم تكن في شجاعته وحدها، بل في نزاهته التي ارتقت إلى مستوى الموقف الأخلاقي الصارم؛ لم يُثر من المسؤولية، ولم ير في المنصب بابًا للغنيمة، بل حمله عبئًا ؛ فعاش عفيفا مترفعًا، لا يرف له جفن أمام ما يملك الآخرون، رغم أنه كان قادرًا - لو أراد - أن يبني القصور ويجمع الثروات؛ غير أن عزة النفس كانت عنده أعلى من كل إغراء.

وتروى عنه حادثة تختصر معدنه حين كان قائدًا للجيش، وخلال زيارة إلى إحدى الدول الشقيقة، قدّم له سيف ومبلغ من المال؛ فقبل السيف بوصفه رمزا للشهامة، وأعاد المال قائلا: "لا يليق بكرامتنا أن نأخذ المال... أما السيف فنأخذه لأنه "رمز " فالمال يقدمه الاسياد الى عبيدهم؛ لم يكن ذلك موقفا عابرا، بل تعبيرا صريحًا عن مدرسة في الشرف العام، ترى أن المال حين يقترن بالمنصب قد يتحول إلى منقصة، لا الى مكسب.

وفي زمن كانت فيه الدولة تواجه أخطر تحدياتها الداخلية، كان حابس في مقدمة من أعادوا فرض هيبتها في مطلع السبعينات، حين كادت البلاد أن تنزلق إلى فوضى السلاح المنفلت؛ ولم يكن القرار سهلا، لكنه كان ضروريا، وحابس كان من أولئك الذين يُدركون أن بقاء الدولة ليس خيارا، بل واجبًا.

كما ارتبط اسمه بدعم تأسيس الجامعة الأردنية، فى وعى مبكر أن القوة الحقيقية لا تقاس بعدد البنادق، والمدافع بل بعدد العقول التي تُبنى

وفي السياسة، كان رفيق درب وصفي التل، يتقاطعان في الصلابة والنزاهة والإيمان العميق بالأردن؛ وحين اغتيل وصفي في القاهرة، بدا المشهد وكأن الدولة فقدت أحد أعمدتها ، ولم يكن من السهل تعويض ذلك الفراغ.

وحين جاءت مرحلة السلام، رفض حابس أن يذهب إلى إسرائيل رغم الدعوات، موقفًا لم يكن استعراضا، بل تعبيرا عن قناعة شخصية حافظت على احترام الجميع، حتى من اختلفوا معه.

رحل حابس المجالي في صيف عام 2001 ، وشيعه الأردن لا كرجل عادي، بل كقيمة وطنية؛ وبقي حتى آخر أيامه "عينا" في مجلس الملك ، شاهدًا صامتا على تحولات الدولة، وحارسًا لذاكرتها.

إن الحديث عن حابس ليس استدعاء للماضي بقدر ما هو مساءلة للحاضر : ماذا بقي من تلك المدرسة؟ وأين يقف اليوم أولئك الذين يرون في المسؤولية فرصة فانتهزوها ، لا أمانة فرعوها حق رعايتها؟

لقد كان حابس المجالي أكثر من قائد... كان ميزانا ؛ وفي زمن اختلت فيه الموازين، تزداد الحاجة إلى رجال من طينته صلبين في الموقف، نقيين في اليد، واضحين كحد السيف الذي قبله... ورفض ما دونه.

في ذكرى رحيله التي تحل اليوم، لا نؤبن حابس المجالي بقدر ما نحاكم به أنفسنا؛ رجل إذا ذكرت القيم حضر، وإذا اختلت الموازين استدعي ميزانا. لم يكن سيرة تُروى، بل مبدأ يُختبر ؛ ولا اسما في سجل الرجال، بل فاصلة بين زمن كان الشرف فيه التزاما، وزمن صار فيه ادعاء ؛ رحمه الله رحمة تليق بطهارة يده وصلابة موقفه؛ فقد مضى، وترك للأردن إرثًا لا يُشيع مع الجنازات، بل يبقى حيًّا، يجلد الضمائر كلما صمتت، ويذكرنا بقسوة الحقيقة أنّ الاوطان لا يحرسها إلا من يشبهونه.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤