📱 حمّل تطبيق خبر الآن!
🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
1,112,273 مقال 408 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,119 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

د. محمد مصطفى عيادات : من يتحمل كلفة التنمية في دولة القانون؟

سياسة
أخبارنا
2026/08/13 - 00:26 501 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

استملاك أراضي الأغوار وتعديل قانون الملكية العقارية بين حدود النفع العام وعدالة توزيع أعباء التنمية.

تُقاس دولة القانون لا باتساع صلاحيات السلطة، بل بخضوعها للمشروعية وسيادة القانون، فالغاية المشروعة لا تكفي لإضفاء المشروعية على الوسيلة، والتنمية مهما بلغت أهميتها تظل خاضعة للضرورة والتناسب وحماية ال...

وقد أضاف قرار مجلس الوزراء بالموافقة على آلية التعويض والمبادلة للأراضي الصادر في 9 آب 2026 عنصرًا جديدًا إلى النقاش، بتأكيده عدم تطبيق التعديلات المقترحة على قانون الملكية العقارية على استملاكات المش...

هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

استملاك أراضي الأغوار وتعديل قانون الملكية العقارية بين حدود النفع العام وعدالة توزيع أعباء التنمية.

تُقاس دولة القانون لا باتساع صلاحيات السلطة، بل بخضوعها للمشروعية وسيادة القانون، فالغاية المشروعة لا تكفي لإضفاء المشروعية على الوسيلة، والتنمية مهما بلغت أهميتها تظل خاضعة للضرورة والتناسب وحماية الحقوق وعدالة توزيع الأعباء، ولا خلاف على حاجة الأردن إلى تطوير بنيته التحتية وتعزيز كفاءة النقل ودعم قطاع البوتاس ومشروع الربط السككي بين غور الصافي والميناء الصناعي في العقبة، لكن دولة القانون تضيف إلى سؤال الجدوى سؤالًا أعمق: كيف تتحقق التنمية، ومن يتحمل كلفتها؟

وتتجاوز أهمية استملاك الأراضي الزراعية في غور الصافي وفيفا حدود الملكية ذاتها، لأنها أراضٍ مملوكة لمزارعين وتشكل مصدرًا للدخل والإنتاج، كما يرتبط المشروع في جانب منه باحتياجات شركة البوتاس وتوسعتها، مما يقتضي التمييز بين الأراضي اللازمة مباشرة لإنشاء السكة وتلك المرتبطة بمشروعات الشركة وتوسعتها.


وقد أضاف قرار مجلس الوزراء بالموافقة على آلية التعويض والمبادلة للأراضي الصادر في 9 آب 2026 عنصرًا جديدًا إلى النقاش، بتأكيده عدم تطبيق التعديلات المقترحة على قانون الملكية العقارية على استملاكات المشروع، والإعلان عن أراضٍ للمبادلة، إلا أن ذلك لا ينهي الأسئلة القانونية، بل ينقلها إلى أساس التقدير، ومعايير التعويض والمبادلة، وضرورة الاستملاك، وحدود الأراضي المطلوبة، ومدى تكافؤ الأرض البديلة مع الأرض المستملكة، فالقضية ليست مواجهة بين الاستثمار والملكية أو بين التنمية والأرض الزراعية، ولا اعتراضًا على السكة الحديدية من حيث المبدأ، وإنما اختبار لقدرة القانون على تحقيق منفعة عامة حقيقية دون تحميل أصحاب أراضٍ محددين عبئًا غير متناسب، ودون اختزال المنفعة العامة في العائد الاقتصادي المباشر للمشروع.

النفع العام... قيد على السلطة لا صكًا على بياض
وضعت المادة 11 من الدستور الأردني الأساس الدستوري لنزع الملكية الخاصة، فلم تجزه إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وهذه القاعدة لا تعني أن دفع التعويض وحده يكفي لتصحيح قرار الاستملاك، لأن نزع الملكية سلطة استثنائية تمس حقًا أصيلًا، ولذلك تظل مشروعيته مرتبطة بالغاية والوسيلة معًا.

ومن هنا يجب التمييز بين "مشروعية الغاية"، "ومشروعية الوسيلة"، فإقامة خط سكة حديد يربط غور الصافي بالميناء الصناعي في العقبة قد تحقق منفعة عامة إذا ثبتت ضرورتها وجدواها، لكن أهمية المشروع لا تجعل كل أرض تقع في مساره مستحقة للاستملاك تلقائيًا، بل يجب إثبات أن اختيارها وبهذا النطاق هو الخيار الضروري لتحقيق الغاية العامة، وهنا تظهر مبادئ الضرورة والتناسب والبدائل، فالضرورة تتعلق بالحاجة الفعلية إلى نزع الملكية، والتناسب بمدى ملاءمة حجم المساس بالملكية للمنفعة، والبدائل بإمكان تحقيق الغاية ذاتها بمسار أو مساحة أقل مساسًا بالأراضي الزراعية وحقوق أصحابها، ولذلك فإن دراسة البدائل جزء من اختبار مشروعية قرار الاستملاك وليست مسألة هندسية منفصلة عن القانون، وتزداد أهمية ذلك عند تعدد أغراض الاستملاك، إذ يجب الفصل بين الأراضي اللازمة مباشرة لمسار السكة الحديدية، وتلك المرتبطة بتوسعة شركة البوتاس أو مرافقها، لأن إثبات المنفعة العامة للمرفق السككي لا يعني تلقائيًا اكتساب كل استملاك يخدم مصلحة الشركة الوصف ذاته، وإنما يحدد ذلك الغرض الذي يبرره القانون والقدر الذي تفرضه الضرورة.

أما آلية التعويض والمبادلة التي أعلن عنها مجلس الوزراء، فلا تغلق هذا النقاش، لأن التعويض يعالج أثر نزع الملكية ولا يحل محل إثبات مشروعيته، فالتعويض العادل لا يشتري مشروعية الاستملاك، والمنفعة العامة ليست صكًا على بياض، وانما قيد دستوري على السلطة، فكلما اتسع نطاق المساس بالملكية الخاصة، وجب أن تتسع معه متطلبات التسبيب والشفافية وإثبات الضرورة والتناسب.

من النفع العام إلى "النفع العام الصافي" فالأقل كلفة على المشروع ليس بالضرورة الأقل كلفة على الوطن.

لا يكفي في تقييم المنفعة العامة النظر إلى ما سيضيفه المشروع للاقتصاد، بل إلى ما قد يفقده الاقتصاد والمجتمع والبيئة في سبيل ذلك، فالنفع العام الحقيقي هو حصيلة الموازنة بين المنافع والكلف، وبين المستفيدين والمتأثرين، لا مجرد العائد المباشر للمشروع، فالسكة الحديدية قد تخفض كلف النقل وتدعم صادرات البوتاس وتعزز القدرة التنافسية لقطاع التعدين، لكن ذلك قد يقابله إخراج أراضٍ من الإنتاج، وفقدان مداخيل زراعية، وكلف لإعادة تأسيس النشاط، وآثار اجتماعية وبيئية، فضلًا عن تكلفة "الفرصة المفقودة"، بإخراج أصل منتج من الدورة الاقتصادية، ولذلك لا تكتمل جدوى المشروع ما لم تدخل هذه العناصر في حساب الكلفة الوطنية للمشروع.

وهنا يظهر الفرق بين "كلفة المشروع"، "والكلفة الوطنية للمشروع"، فقد يكون المسار الأقل كلفة هندسيًا هو الأعلى كلفة على الاقتصاد الوطني إذا نقل كلفته إلى المزارع أو المجتمع أو البيئة، وقد يكون البديل الأعلى كلفة في التنفيذ هو الأقل كلفة وطنيًا إذا جنب المجتمع خسائر أكبر على المدى الطويل، فالكلفة لا تختفي عندما تستبعد من حسابات المشروع، وإنما تنتقل إلى طرف آخر، وبذلك لا يكون المشروع أكثر كفاءة لمجرد أن بعض كلفته لم تعد تظهر في حساباته، وإنما عندما تدخل منافعه وكلفه الحقيقية في ميزان واحد وتوزع أعباؤه بعدالة، فالنفع العام الصافي لا يعني رفض التنمية، بل تحقيق أكبر منفعة عامة ممكنة بأقل تضحية ممكنة بالحقوق والموارد والمصالح العامة الأخرى.

في الأغوار... الأرض ليست عقارًا فقط
الأرض الزراعية في غور الصافي وفيفا لا تختزل في مساحتها أو قيمتها السوقية، فهي أصل إنتاجي تتجاوز قيمته ثمن العقار إلى ما يمكن وصفه "بالقيمة الوظيفية للملكية"، بما يرتبط بخصوبة التربة ومصادر المياه وشبكات الري والمنشآت والقدرة على الإنتاج والخبرة والعمالة والأسواق وسلاسل التوريد، ولذلك فإن إخراجها من الزراعة لا يعني مجرد انتقال سند الملكية، وإنما إخراج أصل منتج من الدورة الاقتصادية والغذائية للدولة، وتزداد حساسية ذلك في وادي الأردن، الذي يمثل أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي في المملكة، حيث ترتبط الأرض بالمياه والإنتاج ارتباطًا لا يمكن معه تقييم تغيير استخدامها بمعزل عن وظيفتها الإنتاجية ودورها في الأمن الغذائي، وتؤكد أهمية هذا الاعتبار الدراسة المنشورة عام 2013 في دورية Pedosphere بعنوان Soil Salinity Changes in the Jordan Valley Potentially Threaten Sustainable Irrigated Agriculture، التي خلصت إلى أن تغير ملوحة التربة يمثل تهديدًا محتملًا لاستدامة الزراعة المروية في وادي الأردن، وهو ما يؤكد حساسية العلاقة بين التربة والمياه والاستخدام الزراعي وضرورة إخضاع أي تغيير جوهري في استخدام الأرض لتقييم علمي مسبق.

وعليه يجب الا تجري الموازنة في غور الصافي بين منفعة عامة ومصلحة خاصة فحسب، وإنما بين مصالح عامة متزاحمة، تشمل تطوير النقل والتعدين والصادرات من جهة، وحماية الأرض الزراعية والإنتاج الغذائي والمياه واستقرار المجتمعات المحلية من جهة أخرى، فحماية الأرض الزراعية ليست دفاعًا عن ملكية خاصة في مواجهة التنمية، وإنما حماية لمورد ذي وظيفة اقتصادية وغذائية عامة، وتنسجم هذه القراءة مع فلسفة قانون تطوير وادي الأردن في حماية الوحدات الزراعية ووظيفتها الإنتاجية، فإذا كان المشرع قد قيد بعض صور التصرف فيها حفاظًا على وظيفتها الزراعية، فمن باب أولى أن يخضع إخراجها من الإنتاج بالاستملاك بقدر اكبر من التدقيق في الاثار الوظيفية لها تكون خاضعة لاختبار الضرورة والتناسب ودراسة البدائل، ضمانًا لعدم تعارض سياسة تنموية عامة مع سياسة عامة أخرى تحمي المورد ذاته.

حين تتساوى المساحة... وتختلف العدالة
الدونم لا يساوي دونمًا لمجرد تساوي المساحة، فقد تكون الأرض البديلة أبعد عن مكان إقامة المزارع، أو أقل جاهزية، أو تحتاج إلى استصلاح وتجهيز وبنية تحتية لم تكن قائمة من قبل، ولذلك فإن العدالة في المبادلة لا تقاس بعدد الدونمات وحده، وإنما بمدى قدرة الأرض البديلة على أداء الوظيفة الاقتصادية التي كانت تؤديها الأرض المستملكة.
وهنا تبرز كلفة "إعادة التأسيس"، وهي كلفة لا تعكسها القيمة العقارية وحدها، بل تشمل خسارة المواسم، وإعادة استصلاح الأرض وتجهيزها، وإنشاء شبكات الري والمنشآت، وكلف الانتقال والتمويل، واستعادة العلاقات الاقتصادية مع العمال والموردين والأسواق، فالمزارع لا ينتقل إلى قطعة أرض جديدة فحسب، وإنما قد يضطر إلى إعادة بناء نشاط اقتصادي استغرق سنوات حتى استقر، ويكتسب هذا الإعتبار أهمية خاصة بعد إعلان مجلس الوزراء تخصيص ستة آلاف دونم من أراضي سلطة وادي الأردن للمبادلة، إذ إن توفير الأرض البديلة لا يحسم العدالة ما لم تكن متكافئة فعليًا مع الأرض المستملكة من حيث الجاهزية والقدرة على الإنتاج والموقع وكلفة الاستصلاح وإعادة التأسيس، فالمبادلة العادلة ليست استبدال دونم بدونم، وإنما استبدال أصل إنتاجي بأصل قادر على أداء الوظيفة الاقتصادية ذاتها أو الاقتراب منها، فقد تتحقق المساواة في المساحة بينما يختل التوازن في القدرة على الإنتاج والدخل، ويعني ذلك أن التعويض أو المبادلة لا ينبغي أن ينظرا إلى فقدان الملكية بوصفه خسارة مالية مجردة، بل إلى الأثر الاقتصادي الفعلي الذي يترتب على إخراج المزارع من نشاط قائم، ولا سيما بالنسبة للأسر التي تعتمد على الأرض مصدرًا رئيسيًا للدخل، إذ قد يتحول فقدانها إلى تغيير في مصدر الرزق ونمط الحياة والارتباط بالمكان.وعندها تصبح عدالة المبادلة مرتبطة بقدرة الأرض البديلة على تمكين المالك من استعادة نشاطه الاقتصادي، لا بمجرد مساواتها للأرض المستملكة في المساحة.

العدالة البيئية... حين تنفصل جغرافيا المنفعة عن جغرافيا التضحية
العدالة البيئية لا تعني الوقوف ضد التنمية، وإنما أن تدخل في صميم القرار أسئلة ثلاثة: من يحصل على المنفعة، ومن يتحمل الضرر، ومن شارك في القرار، فإذا توزعت منافع السكة الحديدية وتطوير قطاع التعدين وخفض كلف النقل وزيادة الصادرات على الاقتصاد الوطني، بينما تركزت كلفة فقد الأرض والدخل والآثار الزراعية والاجتماعية والبيئية على مجتمع محلي محدود، نشأت فجوة بين "جغرافيا المنفعة"، "وجغرافيا التضحية"، وهنا يبرز جوهر العدالة التوزيعية، بألا تتحول الفئات الأقل قدرة على تحمل الخسارة إلى ممول غير مباشر لمشروعات يستفيد منها الجميع، فالمنفعة العامة الواسعة لا تبرر تحميل فئة محددة عبئًا غير متناسب من كلفتها.

وبالتوازي، تبدأ العدالة الإجرائية بالحق في المعلومات والمشاركة قبل حسم القرار، فلا يكفي وجود تقييم للأثر البيئي، بل يجب أن يسبق تثبيت البديل النهائي، ويقارن البدائل ويدرس الآثار المباشرة والتراكمية، ويتيح لأصحاب المصلحة فرصة حقيقية لإبداء الرأي في مرحلة يمكن أن يؤثر فيها هذا الرأي في القرار، فالتقييم البيئي الذي يأتي بعد حسم المسار قد يفقد وظيفته الوقائية، والمشاركة التي تبدأ بعد تثبيت الخيار قد تتحول من مشاركة في صناعة القرار إلى مجرد إدارة لآثاره، ولذلك فإن الشفافية والمشاركة تعد جزءً مهما من جودة القرار ومشروعيته، وتزداد أهمية ذلك عند ارتباط المشروع بالدايكات والملاحات، إذ إن أي تغيير في طبيعة استخدامها أو حركة المياه والصرف يستوجب دراسة علمية مسبقة للآثار المحتملة على الأراضي المجاورة، ولا سيما في بيئة زراعية حساسة تعتمد على الري.

ولا يعني ذلك الجزم بأن الملاحات أو الدايكات ستؤدي إلى تملح الأراضي المجاورة، فهذا لا يثبت دون دراسة ميدانية وهيدروجيولوجية متخصصة، وإنما يعني أن احتمال التأثير يجب أن يدخل في التقييم السابق للقرار، وأن تدرس حركة المياه والأملاح والصرف وآثارها التراكمية، وهنا يتحول تقييم الأثر البيئي من إجراء شكلي إلى أداة للوقاية والمشروعية، لأن حماية المصلحة العامة لا تتوقف عند حدود الملكية المستملكة، بل تمتد إلى الآثار التي قد تصيب الأراضي والمجتمعات والموارد المحيطة بالمشروع.

الاستملاك غير المرئي: عندما تبقى الملكية في السجل وتغادرها المنفعة

لا يتوقف أثر المشروع عند حدود الأراضي المستملكة، فقد تتأثر قدرة المزارع على الانتفاع بأرضه بسبب تغيير الوصول إليها، أو تجزئتها، أو ارتفاع كلفة استغلالها، أو تراجع إنتاجيتها وقيمتها الاقتصادية نتيجة المشروع، وهنا يظهر ما يمكن وصفه "بالاستملاك غير المرئي"، حيث تبقى الملكية باسم صاحبها، لكن تتآكل منفعتها أو قدرتها الإنتاجية بفعل المشروع، فيتحمل المالك جزءًا من كلفة المنفعة العامة دون أن يظهر ضمن قائمة المستملك منهم، فالملكية ليست سند تسجيل فحسب، وإنما منفعة واستعمال وقيمة وقدرة على الإنتاج، وإذا بقي السند وتراجعت هذه العناصر بصورة جوهرية، فإن الضرر الاقتصادي لا يختفي لمجرد أن العقار لم يدخل في حدود الاستملاك.

ولهذا ينبغي التمييز بين منطقة "الاستملاك"، "ومنطقة التأثير"، فالأولى تحددها حدود القرار الإداري، أما الثانية فتحددها الآثار الفعلية للمشروع، وقد تكون أوسع من المساحة التي انتقلت ملكيتها إلى الدولة، ويؤيد ذلك اجتهاد القضاء الأردني في منازعات الاستملاك، إذ أقرت محكمة التمييز في قرارها الحقوقي رقم 2426 لسنة 2014 قابلية التعويض عن الأضرار الواقعة خارج المساحة المستملكة متى ثبتت علاقتها بالمشروع، وربطت تقدير الضرر بنقصان قيمة العقار قبل وقوع الضرر وبعده، وتتجاوز أهمية هذا الاتجاه مقدار التعويض إلى مبدأ أوسع، هو أن خريطة الضرر قد تكون أوسع من خريطة الاستملاك، ولذلك لا ينبغي أن ينتهي تقييم المشروع عند حدود الدونمات التي ستنتقل ملكيتها، وإنما يمتد إلى منطقة التأثير الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والآثار الخارجية التي قد لا تظهر في موازنة المشروع، لكنها تظهر في حسابات المزارعين والمجتمع والبيئة.

وهنا يلتقي الاستملاك غير المرئي مرة أخرى بفكرة النفع العام الصافي، فما يفقده العقار المجاور من منفعة وما يتحمله المزارع من كلفة إضافية وما قد تتحمله البيئة من أضرار، لا ينبغي أن يبقى كلفة خارجية صامتة ، بينما تسجل منافع المشروع كاملة في الجانب الآخر من الميزان، فالنفع العام الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع من فوائد فحسب، وإنما أيضًا بقدرته على استيعاب الكلفة التي يفرضها على الآخرين وعدم تحميلها لطرف لم يكن شريكًا في الاستفادة منها، ومن ثم فإن عدالة المشروع لا تتطلب فقط تعويض من انتقلت ملكيته، وإنما تتطلب أيضًا تحديد الأضرار التي قد تصيب من بقيت ملكيته قائمة، متى ثبتت علاقتها المباشرة أو الفعلية بالمشروع وفقًا للقانون والقضاء.

عندما تصبح السكة " طريقًا".... هل تتغير العلة بتغير التعريف؟
يتقاطع موضوع الاستملاك محل النقاش مباشرة مع مشروع تعديل قانون الملكية العقارية، ولا سيما في الجزء المتعلق بإدخال السكك الحديدية ضمن مفهوم الطريق، إذ إن هذا التعديل ليس تعديلا اصطلاحيًا محضًا، وإنما يترتب عليه آثار قانونية ومالية مباشرة، من بينها ما يتصل بأحكام الربع القانوني.

ولا خلاف في أن الطريق والسكة الحديدية يعدان من مرافق النقل، إلا أن تشابه الغاية لا يعني بالضرورة تماثل العلة والأثر القانوني، فالطريق قد يعزز انتفاع العقار المتبقي من خلال توفير منفذ أو واجهة، بينما قد تؤدي السكة الحديدية إلى تجزئة الوحدة الزراعية والحد من الوصول إلى أجزائها، بما ينعكس على الانتفاع بها، لذلك، فإن إدخال السكك الحديدية ضمن مفهوم الطريق لا يكفي بذاته لتوحيد الآثار القانونية، ما لم تتوافر العلة التي قام عليها الحكم الخاص بالطريق، وتبرز أهمية ذلك عندما يترتب على السكة تقييد الانتفاع بالأجزاء المتبقية، إذ قد يؤدي التعديل في الوصف التشريعي إلى أثر مالي يتمثل في نقل جزء من كلفة الاستملاك إلى مالك العقار المتبقي.

الربع القانوني... الكلفة لا تختفي بل تنتقل
إذا أدى توسيع أحكام الطريق لتشمل السكك الحديدية إلى تقليل ما تتحمله الجهة المستملكة من قيمة الأرض، فلا يعني ذلك أن كلفة المشروع انخفضت بالضرورة، فقد تكون الكلفة ذاتها قد انتقلت من حساب المشروع إلى صاحب الملكية، وهنا يظهر الفرق بين "خفض الكلفة"، "ونقل الكلفة"، فخفض الكلفة يعني أن المشروع يحتاج فعلًا إلى موارد أقل، أما نقل الكلفة فيعني أن الموارد ذاتها قد استُهلكت، لكن طرفًا آخر أصبح يتحمل ثمنها، وقد يتحول مالك الأرض بذلك إلى مساهم قسري في تمويل منفعة عامة من أصل ملكيته الخاصة، ولذلك لا يكون السؤال الحقيقي كم وفر المشروع، وإنما على حساب من تحقق هذا الوفر.

وقد أكد قرار مجلس الوزراء الأخير عدم تطبيق أحكام الربع القانوني الواردة في التعديلات المقترحة على استملاكات مشروع سكة حديد ميناء العقبة، بما يحسم عدم سريان التعديل المقترح على المشروع محل النقاش، لكنه لا ينهي أهميته التشريعية، لأن القاعدة الجديدة، إذا أقرت، ستبقى قابلة للتطبيق على استملاكات مستقبلية، ومن ثم فالاشكالية ليست في نسبة الربع وحدها، وإنما في فلسفة توزيع كلفة المنفعة العامة، إذ لا ينبغي أن تتحول قاعدة قانونية إلى وسيلة لنقل جزء من كلفة مشروع عام إلى فئة محددة دون مبرر يحقق متطلبات المشروعية والتناسب، فالتنمية لا تكون عادلة إذا عُممت منافعها، ثم خُصخصت أعباؤها.

10% ولكن من أي قيمة؟
تزداد حساسية التعويض عند ربطه بالقيمة المرجعية وهامش الـ10%، فالمسألة ليست في النسبة ذاتها، وإنما في القيمة التي تُحتسب عليها، إذ إن إضافة نسبة إلى قيمة لا تعكس القيمة الحقيقية للعقار لا تحقق العدالة بالضرورة. والسؤال المشروع هو: 10% من أي قيمة؟

وتزداد أهمية ذلك في الأراضي الزراعية، إذ قد تتقارب قطع الأراضي في الموقع والمساحة، لكنها تختلف في خصوبة التربة، ومصادر المياه، وشبكات الري، والقدرة الإنتاجية، والمنشآت القائمة، وسهولة الوصول إليها، وهي عناصر تؤثر بصورة مباشرة في قيمتها الاقتصادية، ولذلك لا يمكن اختزال القيمة العادلة للعقار في موقعه أو مساحته، وإنما يجب أن تعكس خصائصه الفعلية ووظيفته الإنتاجية، لذلك يجب التمييز بين القيمة المرجعية باعتبارها أداة تساعد الإدارة في التقدير، والقيمة الفردية التي يتحدد على أساسها التعويض المستحق في الحالة المعروضة، فالقيمة المرجعية ينبغي أن تساعد على الوصول إلى التعويض العادل، لا أن تتحول إلى بديل عن التقييم الفردي.

ومع أن قرار مجلس الوزراء حسم عدم تطبيق التعديلات المقترحة على الاستملاكات محل النقاش، فإن أهمية هذه المسألة تبقى قائمة بالنسبة إلى الاستملاكات المستقبلية، ولا سيما إذا أصبحت القيمة المرجعية وهامش الـ10% جزءًا من القاعدة العامة للتقدير، فالمعيار في النهاية ليس الوصول إلى رقم موحد يسهل تطبيقه، وإنما إلى قيمة تعكس الضرر الفعلي الذي لحق بالمالك، وتراعي طبيعة العقار وآثار فقده.


حين يقترب التقدير الإداري من وظيفة القضاء
تكتسب أحكام مشروع القانون المتعلقة بطريقة احتساب التعويض أهمية دستورية خاصة، لارتباطها بمبدأ الفصل بين السلطات، ليس من حيث سلب القضاء ولايته، وإنما من حيث مدى تأثير القواعد التشريعية المقترحة في نطاق السلطة التقديرية للقضاء عند تحديد التعويض العادل، فالأصل أن تضع السلطة التشريعية الإطار القانوني العام للتعويض، وأن تتولى الإدارة تطبيقه وتنفيذ إجراءات الاستملاك، بما في ذلك التقييم والتفاوض والاستناد إلى الأسس الفنية والمالية لتقدير قيمة العقارات، بينما يبقى للقضاء عند نشوء النزاع، الاختصاص في فحص الوقائع والبينات والخبرة وتحديد التعويض العادل وفقًا للقانون.

ومن ثم فإن وضع قيمة أو معادلة تشريعية مسبقة لا يثير الإشكال بذاته، وإنما يثور إذا تحولت هذه القاعدة عمليًا إلى قيد يحد من قدرة القضاء على تقدير الضرر الفعلي في ضوء ظروف كل حالة، وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ "التقييد غير المباشر للولاية القضائية" إذا أصبح التقدير التشريعي المسبق بديلًا عمليًا عن التقدير القضائي الذي تقتضيه طبيعة النزاع، فمبدأ الفصل بين السلطات يقتضي بقاء الحدود واضحة بين وظيفة المشرع في وضع القاعدة، ووظيفة الإدارة في تطبيقها، ووظيفة القضاء في الفصل في المنازعات الناشئة عنها، ولا يتحقق استقلال القضاء بمجرد إتاحة اللجوء إلى المحكمة، وإنما ببقاء سلطتها الفعلية في وزن البينات والخبرة ومراجعة التقدير والوصول إلى التعويض الذي تراه عادلًا وفقًا للقانون،وعليه، فإن سلامة التعديل لا تقاس فقط بوضوح المعادلة التي يضعها، وإنما أيضًا بمدى حفاظه على الولاية القضائية الفعلية في تقدير التعويض العادل عندما تختلف ظروف العقارات والأضرار من حالة إلى أخرى.

عدالة القرار تسبق عدالة التعويض
التعويض النقدي، مهما ارتفعت قيمته، لا يجيب عن سؤال ضرورة الاستملاك، ولا يثبت دراسة البدائل، ولا يعيد بالضرورة الوظيفة الإنتاجية للأرض أو يمحو آثار المشروع البيئية والاجتماعية، ولا يعالج تلقائيًا الأضرار التي قد تصيب الأراضي المجاورة، فالتعويض العادل لا يشتري مشروعية الاستملاك، لأن المشروعية تسبق التعويض، ولهذا فإن سلامة الاستملاك لا تقاس فقط بما يُدفع للمالك بعد وقوعه، وإنما بسلامة القرار الذي أدى إليه، وبمدى استناده إلى غاية مشروعة وإجراءات سليمة وأسباب يمكن التحقق منها.
وفي الأراضي الزراعية، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في قيمة الأرض التي ستنتقل ملكيتها، بل في الآثار التي يترتب عليها فقدها، وفي مدى قدرة المبادلة أو التعويض على معالجة هذه الآثار معالجة فعلية، فالمبادلة لا تحقق العدالة بذاتها إذا كانت الأرض البديلة لا تمكّن المالك من استعادة نشاطه، كما أن التعويض المالي لا يغني عن معالجة الأضرار التي قد تمتد إلى العقارات والمصالح المجاورة، وبذلك تنتقل العدالة من سؤال ، كم تبلغ قيمة ما فقده المالك، إلى سؤال أسبق: هل كان فقدان هذه الأرض ضروريًا أصلًا لتحقيق المنفعة العامة، وهل اختيرت الوسائل التي تحققها بأقل تضحية ممكنة؟

دولة القانون لا تخشى مراجعة القانون
النقاش حول مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره موقفًا ضد السكك الحديدية أو الاستثمار أو تطوير البنية التحتية، فدولة القانون لا تخشى مراجعة القانون، لأن مراجعة التشريع قبل استقراره ليست تراجعًا عن التنمية، وإنما ضمانة لأن تكون التنمية نفسها خاضعة للمشروعية، ومشروع القانون، بعد إقراره من مجلس النواب، لا يزال أمام مجلس الأعيان ضمن دورته الدستورية، وهي مرحلة لا تمثل مجرد استكمال للإجراءات، بل تشكل ضمانة دستورية لإعادة النظر في النص وآثاره قبل أن يصبح قاعدة عامة ملزمة، فوجود مجلسين في العملية التشريعية لم يقصد به تكرار التصويت، وإنما تمكين المشرع من مراجعة ثانية أكثر هدوءًا وتوازنًا، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنصوص تمس حق الملكية وتعيد رسم العلاقة بين الإدارة والأفراد.

فالمشرع لا يسن قانونًا لسكة حديد واحدة أو لشركة واحدة، ولا استملاك محدد، وإنما يضع قواعد ستنطبق على استملاكات مستقبلية، ولذلك فإن المسؤولية التشريعية تتجاوز المشروع الحالي إلى ضمان التوازن بين المصلحة العامة والملكية الخاصة، وكفاءة التنمية وعدالة توزيع أعبائها، وسلطة الإدارة والولاية القضائية، باعتباره جزءًا من حسن التشريع والأمن القانوني وحماية دولة القانون


حين تصبح التنمية نفسها اختبارًا لدولة القانون
ليست القضية مواجهة بين شركة البوتاس والمزارعين، ولا بين السكك الحديدية والأرض الزراعية، ولا بين الاستثمار والبيئة. فالأردن يحتاج إلى الاستثمار والبنية التحتية، كما يحتاج إلى أرضه الزراعية ومياهه وأمنه الغذائي واستقرار مجتمعاته المحلية، وجميعها مصالح عامة تستحق الحماية، وقد نقل قرار مجلس الوزراء النقاش إلى مرحلة تطبيق آلية التعويض والمبادلة، لكن عدالة المشروع ستظل مرتبطة بكيفية تطبيق هذه الآلية، وبمدى قدرتها على معالجة الآثار الفعلية للاستملاك وتوزيع أعبائه بصورة عادلة.
ويبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أي مشروع تنموي: من يتحمل كلفة التنمية؟ فإذا توزعت منافع المشروع على الاقتصاد الوطني، فلا ينبغي أن تتركز كلفته في مزارع فقد مصدر رزقه، أو مالك بقيت ملكيته لكن تراجعت منفعتها، أو مجتمع محلي تحمل آثارًا لم تدخل في حساب المشروع، فالعدالة تقتضي أن نقرأ جغرافيا المنفعة إلى جانب جغرافيا التضحية، وأن نحسب ما تضيفه التنمية وما قد تأخذه في طريقها، وألا يتحول الاستملاك المرئي أو غير المرئي، إلى وسيلة لنقل كلفة المنفعة العامة إلى من صادف أن أرضه تقع في مسارها.

وفي النهاية، لا يقاس نجاح المشروع بما يضيفه إلى الاقتصاد فحسب، بل بقدرته على حماية الحقوق والموارد التي يقوم عليها هذا الاقتصاد، فالدولة التي تحترم المشروعية لا تكتفي بإثبات المنفعة العامة، وإنما تحرص على أن تكون كلفة تحقيقها موزعة بعدالة، وأن تبقى حماية الحقوق جزءًا من مفهوم التنمية ذاته.وعندها فقط تكتمل معادلة النفع العام، وتصبح التنمية تعبيرًا عن قوة القانون، لا استثناءً عليه.

المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن سياسة | More on Politics

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم سياسة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: أخبارنا. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Politics. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: أخبارنا.

مقالات ذات صلة

خبر — منصة إخبارية ذكية | Khabr — AI-Powered News Platform

خبر هو أول مجمّع أخبار عربي يعمل بالذكاء الاصطناعي. نقدم تحليلات ذكية وملخصات تلقائية ورواية صوتية لكل خبر من أكثر من 700 مصدر موثوق. نضيف قيمة تحريرية فريدة من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعدك على فهم الأخبار بعمق أكبر.

Khabr is the first AI-powered Arabic news aggregator. We provide AI-generated editorial analysis, automated summaries, audio narration, and fact-checking for every article from 700+ trusted sources. Our platform adds unique editorial value through AI tools that help you understand the news more deeply.

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free