د. محمد حيدر محيلان : الأردن بين الأمن والاقتصاد: كيف تُدار معادلة التوازن؟
كيف يمكن لدولة محدودة الموارد، تقع في قلب إقليم مضطرب، أن تحافظ على استقرارها دون أن تنغلق، وأن تتعامل مع التهديد دون أن تتحول إلى طرف في الصراع؟ هذا السؤال يفسّر طبيعة الخيارات الأردنية في المرحلة الحالية، ويكشف منطقها أكثر مما يصفها. المشهد الإقليمي لم يعد مجرد خلفية للأحداث، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في تشكيل القرار. التصعيد بين أطراف إقليمية، وامتداد أثره عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، وضع الأردن في موقع حساس. التعامل مع هذه المعطيات اتجه نحو معادلة واضحة: حماية المجال السيادي دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوجه لا يعكس حيادًا بقدر ما يعكس تقديرًا واقعيًا لكلفة الخيارات المتاحة. يتضح هنا دور الملك عبدالله الثاني في إدارة هذا التوازن. فالمقاربة الأردنية لم تُبنَ على ردود فعل آنية، بل على رؤية تراكمية تحافظ على استقرار الداخل وتمنع تحويل الجغرافيا الأردنية إلى ساحة صراع. الحفاظ على هذا الخط يتطلب جاهزية أمنية مستمرة، لكنه في الوقت ذاته يستدعي تجنب التصعيد غير المحسوب، وهو ما يظهر في الخطاب الرسمي والممارسة على حد سواء. الواقع الأمني يرتبط مباشرة بالاقتصاد. أي توتر في الإقليم ينعكس على كلفة الطاقة، وحركة النقل، والتأمين على الشحنات. والأردن، بحكم موقعه، يعتمد على استقرار الممرات الإقليمية أكثر من اعتماده على موارده الذاتية. لذلك فإن اضطراب هذه الممرات لا يُقرأ سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. من هنا يتجه التفكير نحو تطوير البدائل اللوجستية وتعزيز البنية التحتية للنقل، باعتبارها أدوات لاحتواء المخاطر. في المقابل، لا يمكن وصف الاقتصاد الأردني بأنه في حالة تراجع حاد، لكنه يعمل ضمن هامش ضيق. استمرار برامج التمويل الدولية، وتحريك مشاريع في قطاعات النقل والطاقة، يعكس وجود ثقة خارجية، لكنها تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على الحفاظ على التوازن الداخلي. الضغوط المعيشية قائمة، لكنها لم تصل إلى مرحلة فقدان السيطرة، وهو ما يضع صانع القرار أمام معادلة دقيقة بين الاستقرار الاجتماعي والقدرة الاقتصادية. سياسيًا، يواصل الأردن التحرك ضمن مساحة محدودة، لكنها محسوبة. الانخراط الإنساني في قضايا إقليمية يمنحه حضورًا سياسيًا، دون أن يتحول هذا الحضور إلى التزام مباشر في الصراع. هذه المقاربة قد تبدو حذرة، لكنها تتسق مع موقع الدولة وإمكاناتها. التحدي الحقيقي لا يكمن في حدث واحد، بل في تراكم الضغوط. الأردن يواجه متغيرات أمنية واقتصادية متزامنة، وأي اختلال في إدارة التوازن بينها قد ينعكس مباشرة على الداخل. إذا طغى الأمن على الاقتصاد، ارتفعت الكلفة المعيشية، وإذا طغت الحسابات الاقتصادية، تراجعت الجاهزية للمخاطر. في ضوء ذلك، يمكن تصور مسارين رئيسيين للمرحلة المقبلة: الأول، استمرار الوضع الحالي مع ضغوط يمكن احتواؤها، وهو الأقرب. والثاني، تحسن اقتصادي تدريجي مرتبط بالمشاريع اللوجستية والاستثمارات الإقليمية. أما التصعيد الواسع فيبقى احتمالًا أقل، لكنه يظل قائمًا في بيئة غير مستقرة. المحصلة أن الأردن لا يتعامل مع أزمة عابرة، بل مع حالة ممتدة تتطلب إدارة دقيقة للتوازن. والنجاح هنا يُقاس بقدرة الدولة على منع التحديات من التحول إلى أزمات داخلية. وفي هذا النوع من البيئات، تكون القرارات الجيدة هي تلك التي تقلل الخسائر وتحافظ على الاستقرار، لا تلك التي تبحث عن مكاسب سريعة.




