د. خالد الشقران : سيناريوهات الحرب الخمس
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/03/30 - 04:49
504 مشاهدة
في ضوء المعطيات الميدانية المتسارعة، تحولت الحرب الأمريكية
الإسرائيلية الإيرانية إلى صراع مركب متعدد المستويات، تتداخل فيه الضربات
العسكرية مع التحديات المتصاعدة التي يواجهها الاقتصاد العالمي، وتشتبك فيه
الجغرافيا مع الوكلاء، ويتقاطع فيه التكتيكي مع الاستراتيجي في لحظة
إقليمية شديدة السيولة، فمنذ الضربة الافتتاحية في 28 شباط 2026 وما تبعها
من ردود إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، دخل الإقليم في حالة حرب
مفتوحة برزت معها حالة من عدم اليقين بخصوص التنبؤ بنتائجها وتداعياتها على
المستويين الإقليمي والدولي، ومع ذلك تكشف المؤشرات الحالية عن عدة
سيناريوهات محتملة، لكل منها كلفه وأدواته ونتائجه.
السيناريو الأول
يتمثل في حرب استنزاف طويلة، وفي الواقع إن هذا المسار هو الأكثر ترجيحا في
المدى القريب، حيث نجحت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في إضعاف البنية
الصاروخية الإيرانية بشكل كبير، مع تراجع وتيرة الردود بنسبة تصل إلى 90%،
دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار القدرة الإيرانية على القتال. في هذا
السيناريو، تستمر العمليات الجوية والضربات الدقيقة، مقابل اعتماد إيران
على تكتيكات اللامركزية، والاعتماد على شبكاتها وأذرعها الإقليمية لتشتيت
تركيز القوى المهاجمة وبعثرة الأوراق في المنطقة، والنتيجة هنا حرب بطيئة
تستنزف الجميع: إيران عسكريا، وإسرائيل أمنيا، والولايات المتحدة اقتصاديا،
حيث بدأت آثار الحرب تظهر بالفعل في ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي،
ما قد يؤدي الى إعادة تشكيل ميزان القوى تدريجيا دون حسم نهائي.
السيناريو
الثاني هو توسع الحرب إقليميا عبر الوكلاء، خاصة بعد دخول جماعة الحوثي
على خط المواجهة وفتح جبهات إضافية في البحر الأحمر، والذي يشي بأن الحرب
لم تعد محصورة في مسرح واحد، بل تتجه نحو تعدد الساحات. في هذا السيناريو
تتحول المنطقة إلى شبكة نزاعات مترابطة من جنوب لبنان، والعراق، واليمن،
وربما الخليج، بيد أن الخطر هنا لا يكمن في حجم كل جبهة على حدة، بل في
تزامن الجبهات، ما يخلق ضغطا مركبا على منظومات الدفاع ويهدد طرق التجارة
العالمية، خاصة إذا اقترن ذلك بإغلاق مضائق استراتيجية.
السيناريو
الثالث يتمثل في انتقال محدود نحو عمليات برية أمريكية، فالتقارير تتحدث عن
استعداد واشنطن لعمليات برية محدودة تعكس إدراكا بأن الضربات الجوية وحدها
قد لا تحقق الأهداف السياسية المرجوة. هذا السيناريو يحمل أخطارا تصعيدية
عالية، لأن دخول قوات برية يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع القوات
الإيرانية أو الميليشيات الحليفة، ما قد يحول الحرب من صراع احتواء إلى
صراع كسر إرادات، مع ما يحمله ذلك من احتمالات توسع غير محسوب.
السيناريو
الرابع هو الانفجار الكبير أو الحرب الشاملة، فعلى الرغم من أنه أقل
ترجيحا، إلا أنه يبقى قائما إذا حدث خطأ استراتيجي أو تصعيد غير مضبوط، حيث
أن توسع العمليات إلى لبنان، واحتمالات انخراط قوى إقليمية إضافية، قد
يدفع نحو مواجهة واسعة تتجاوز السيطرة السياسية والعسكرية. هذا السيناريو
ستكون كلفته هائلة على الجميع، وسيعيد رسم خريطة الإقليم بشكل جذري.
السيناريو
الخامس يتمثل في تسوية سياسية مؤقتة تحت ضغط الاستنزاف، حيث تعكس المؤشرات
بوجود مقترحات أمريكية لوقف إطلاق النار، ومحاولات إقليمية لاحتواء
التصعيد، أن باب الدبلوماسية ما زال مفتوحا. في هذا المسار قد يتم التوصل
إلى اتفاق مرحلي يوقف العمليات الكبرى دون معالجة الجذور العميقة للصراع،
ما يعني أن الحرب قد تتجمد دون أن تنتهي.
في العمق، تكشف هذه
السيناريوهات عن حقيقة أكثر خطورة، وهي أن هذه الحرب لم تعد فقط حول
البرنامج النووي الإيراني أو أمن إسرائيل، بل حول شكل النظام الإقليمي
القادم، ومن يملك القدرة على فرض قواعده، وهي بذلك تكون معركة على تعريف
السيادة، وعلى حدود النفوذ، وعلى من يمتلك قرار الحرب والسلم في الشرق
الأوسط.
الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن ينتصر عسكريا، بل بمن
يستطيع إدارة هذه الفوضى دون أن ينزلق إلى انهيار شامل، وهنا تبرز مسؤولية
الدول العربية في ظل هذه الفوضى التي أوجدتها ظروف الحرب عبر بناء موقف
موحد يوازن بين حماية السيادة ومنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لأن الفراغ في
مثل هذه اللحظات لا يبقى فراغا، بل تملؤه القوى الأكثر استعدادا لفرض
وقائع جديدة.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها تدار على حافة الهاوية،
حيث يمكن لخطأ واحد أن يحولها من صراع قابل للاحتواء إلى كارثة إقليمية،
وعليه فإن المطلوب اليوم ليس قراءة ما يجري فقط، بل التحرك لصياغة موقف
قادر على التأثير، لأن من يكتفي بالمراقبة في لحظات التحول الكبرى، يجد
نفسه لاحقا أمام واقع صيغ دون إرادته. ــ الراي.
