د. حمد الكساسبة : الاقتصاد الكامن في الأردن: من الاستقرار إلى النمو المنتج
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لا تكمن مشكلة الاقتصاد الأردني في غياب الاستقرار، بل في محدودية تحويل هذا الاستقرار إلى نمو منتج يخلق فرص عمل أوسع ويرفع الدخل. وتستند هذه القراءة إلى أبرز نتائج كتابي الجديد، الذي سيصدر قريبًا، ويتناول الاقتصاد الكامن في الأردن، وكيف يمكن إعادة بناء النمو على أساس الإنتاجية وحسن استخدام الموارد.
فقد نجح الأردن، رغم الصدمات الإقليمية والضغوط الاقتصادية ومحدودية الموارد، في الحفاظ على قدر مهم من الاستقرار المالي والنقدي. وهذا إنجاز مهم لا يمكن التقليل من قيمته. غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد من الحفاظ على التوازنات، إذ ينبغي أن يتحول الاستقرار إلى قاعدة لاقتصاد أكثر إنتاجًا وتنافسية وقدرة على التشغيل.
والقضية هنا ليست في حجم النمو فقط، بل في نوعيته. فالنمو الذي يعتمد على توسع النشاط دون تحسن واضح في الإنتاجية يبقى محدود الأثر على البطالة والدخل. أما النمو المنتج، فهو النمو الذي يجعل العمل أكثر كفاءة، والاستثمار أعلى عائدًا، والتمويل أكثر ارتباطًا بالقطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة.
من هنا تأتي فكرة "الاقتصاد الكامن”. والمقصود بها أن لدى الأردن طاقات اقتصادية غير مستغلة بالكامل. فهناك عمالة يمكن أن تصبح أكثر إنتاجية، واستثمارات يمكن أن تحقق أثرًا أكبر، وتمويل يمكن أن يتجه بدرجة أوسع نحو الصناعة والتصدير والتكنولوجيا، وقطاعات قادرة على رفع القيمة المضافة إذا توفرت لها البيئة المناسبة. لذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بجلب موارد جديدة، بل بتحسين طريقة استخدام الموارد المتاحة.
ووفق نموذج كمي مبسط للفترة 2025–2032، فإن تحسين إنتاجية العمل، وكفاءة الاستثمار، وتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة، وتعزيز الصادرات، يمكن أن ينقل الاقتصاد الأردني إلى مسار أقوى. ففي هذا السيناريو، يمكن أن يقترب النمو الحقيقي من 5% بحلول عام 2032. كما يمكن أن يرتفع الناتج الحقيقي من نحو 42.2 مليار دينار إلى حوالي 58 مليار دينار، بينما يرتفع الناتج الممكن إلى نحو 74.5 مليار دينار. وهذا يعني أن الاقتصاد لا يزيد إنتاجه الحالي فقط، بل يرفع أيضًا قدرته على الإنتاج في المستقبل.
وتظهر أهمية هذا التحول بوضوح في سوق العمل. فإذا أصبح النمو أكثر ارتباطًا بالقطاعات المنتجة، يمكن أن يرتفع عدد المشتغلين من حوالي 1.75 مليون عامل إلى نحو 2.23 مليون عامل، أي ما يقارب نصف مليون فرصة عمل إضافية. كما يمكن أن تنخفض البطالة من 22% إلى نحو 12.5%. وهذه النتائج لا تتحقق عبر برامج تشغيل مؤقتة، بل من خلال اقتصاد قادر على خلق وظائف حقيقية ومستقرة.
ولا يتوقف الأثر عند عدد الوظائف. فكلما ارتفعت الإنتاجية، أصبح العامل قادرًا على إنتاج قيمة أعلى، وهذا يفتح المجال لتحسين الأجور والدخل. ووفق السيناريو نفسه، يمكن أن يرتفع متوسط دخل الفرد من حوالي 3,800 دينار سنويًا إلى نحو 5,200 دينار بحلول عام 2032. وهنا يصبح النمو أقرب إلى حياة الناس، لا مجرد رقم في تقرير اقتصادي.
ومن الناحية المالية، يمكن لهذا المسار أن يساعد في تخفيف الضغط على الموازنة والدين. فعندما يكبر حجم الاقتصاد الاسمي، وتتحسن الإيرادات، ويتم ضبط النفقات دون الإضرار بالاستثمار المنتج، يمكن أن يتراجع عجز الموازنة من 5.2% من الناتج إلى نحو 2.2%. كما يمكن أن تنخفض نسبة الدين الحكومي الشامل، بما فيه ديون الضمان الاجتماعي، من 108.3% من الناتج إلى نحو 85.5%. ومع إصلاح مالي أكثر كفاءة، يمكن أن تكون النتائج أفضل.
لكن الوصول إلى هذا المسار يتطلب سياسات مترابطة لا إجراءات منفصلة. فالمطلوب ربط التعليم بسوق العمل، وتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة، وتشجيع الصناعة والصادرات، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، مع الحفاظ على الاستقرار المالي. كما يحتاج الأمر إلى تنسيق مؤسسي أوضح، حتى تعمل السياسات الاقتصادية في اتجاه واحد: رفع الإنتاجية، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الدخل.
الخلاصة أن الأردن لا يفتقر إلى الإمكانات، بل يحتاج إلى تفعيلها بكفاءة أعلى. فالاستقرار مهم، لكنه ليس نهاية الطريق. والمطلوب اليوم هو اقتصاد ينتج أكثر، ويشغل أكثر، ويصدر أكثر، ويدير موارده بطريقة أفضل. وهذا هو جوهر الاقتصاد الكامن في الأردن: تحويل الطاقات غير المستغلة إلى نمو حقيقي، وفرص عمل، ودخل أفضل.




