🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
847,472 مقال 404 مصدر نشط 224 قناة مباشرة 4,697 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

د. هبة حدادين : مدوّنة الحجر والخيط: مادبا وجاراتها بروح ابنة الأرض

معرفة وثقافة
أخبارنا
2026/05/19 - 06:03 508 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis
جاري تحليل المقال...

أن تكتب عن مادبا وأنت تقف في باحاتها الأثرية، يختلف تماماً عن أن تكتب عنها وأنت تولد من رحم جبالها، وتشتمّ رائحة صوف العواسي المغزول في قراها، وتوقظك في الصباحات نبرة "المقصلة" وهي تُهذب حجر الجبل الكلسي. مادبا بالنسبة لنا، نحن أبناء وبنات هذه الأرض، ليست محطة في دليل سياحي، بل هي "الأم" التي علّمتنا الصبر، و"المعلمة" التي لقنتنا كيف يُستنطق الطين، وكيف يُحوّل الحجر الصامت إلى لغة عالمية تقرأها كل شعوب الأرض.

دعوني آخذكم في جولة مغموسة بوجدان "بنت البلد" وخبرتها التوثيقية، لنرى كيف تتنفس الحرف اليدوية في مادبا، وكيف تفيض قراها -من ماعين الحارة بعيونها الشافية إلى أعالي جبل بني حميدة المطل على البحر الميت ووادي الموجب- بإرثٍ يأبى النسيان.

في مادبا، لا نمشي فوق إسفلت أو أرصفة عادية، بل نطأ كلمات وتاريخاً مرتباً بعناية. لقب "مدينة الفسيفساء" ليس مجرد شعار براق، بل هو هوية وُلدت مع أجدادنا كابراً عن كابر. هنا، في كنيسة القديس جورج، ترقد "خريطة الأرض المقدسة" منذ القرن السادس الميلادي؛ أقدم خريطة جغرافية فسيفسائية في العالم، لم تكن يوماً مجرد لوحة يتأملها الزوار، بل هي بوصلتنا الحضارية، وشهادة ميلادنا على هذه الأرض.

اليوم، ما زال صوت "المقصلة" -تلك الأداة الحديدية الدارجة في الورش- يتردد كسمفونية يومية. يذهب جيراني وأبناء عمومتي إلى جبالنا الشامخة، ينتقون الحجارة الكلسية (Limestone) بألوانها الطبيعية، ويطعمونها أحياناً بالبازلت الأسود القادم من الشمال لإبراز التباين اللوني، ثم يقطعونها بصبر أيوب إلى مكعبات دقيقة تُعرف علمياً بـ "التسرّات" (Tesserae)، بقطع وميلان هندسي مدروس يعكس الضوء ويمنح اللوحة بريقاً حياً.

ولأننا ندرك قيمة هذا الإرث، تكاتفت الجهود الأكاديمية عبر "معهد مادبا لفن الفسيفساء والترميم" (MIMAR) بالتعاون مع جامعة اليرموك، ليكون المنارة التي تضمن بقاء هذه الحرفة كعلم وفن محمي بأعلى معايير الصيانة العالمية.

إذا غادرنا قلب المدينة صعوداً نحو جبال بني حميدة الشاهقة، والمطلة على قريتي "ماعين"، ستستقبلنا رائحة صوف الأغنام المقترن بعزة الصحراء والقرية. هنا، تأسس "مشروع تنمية المرأة الريفية في بني حميدة"، ليكون الحاضن والممكّن لسيدات مجتمعي؛ أمهاتنا وجداتنا اللواتي صَنعن من الخيط العادي قصائد دافئة.

ما يُميز بسط بني حميدة ليس مجرد جودتها العالمية التي تخطت الحدود، بل "الروح" الكامنة في غرزها. فالمرأة هنا ما زالت متمسكة بـ "نول الأرض" الأفقي التقليدي (أو المنسج كما ندعوه شعبياً)، ممارسةً طقوس النسيج تماماً كما فعلت جداتها. نستخدم صوف ضأن "العواسي" المحلي بنسبة 100%، والمعروف بنقاوته ومتانته، ويُصبغ بألوان مستوحاة من فيض الطبيعة المحيطة بنا: أحمر شقائق النعمان، لون تراب الأرض بعد مطر تشرين، وزرقة سماواتنا الممتدة. هذه البسط حين تدخل البيوت الحديثة، تدخل كقطع من قلوب نسائنا، تمنح المكان دفء البساطة وعراقة الهوية.

في أزقة أسواق مادبا القديمة، يقف الزائر مذهولاً أمام حرفة يعود ازدهارها في الأردن إلى سبعينيات القرن الماضي. ورغم أن جذور هذا الفن بدأت تتبلور في ثغر الأردن الباسم (العقبة)، إلا أن حرفيي مادبا أضفوا عليها بصمتهم الخاصة؛ فلم يعد الرمل داخل الزجاجة يقتصر على صور الجمال والبداوة فحسب، بل بات يروي جغرافيا مادبا التاريخية بكنائسها وقلاعها.

بأدوات معدنية رفيعة، وبتوازن عصبي لا يحتمل الخطأ، ويد ثابتة كثبات جبالنا، يتم رص الرمل الملون الطبيعي ليتحول إلى لوحات إعجازية محبوسة في زجاج. إنها حرفة تختزل سحر الصحراء وتضعها في كف يدك لتسافر بها أينما ذهبت.

نحن لا نكتفي بنقش الحجر وصباغة الصوف وتشكيل الرمل، بل نعود دوماً إلى الأصل.. إلى الطين الأردني. مشاغل الفخار والسيراميك الحديثة في مادبا لا تنتج مجرد أوانٍ استهلاكية، بل تعيد إحياء ميثولوجيا الأرض من خلال محاكاة الإرث النبطي والأثري الغني الذي عُثر عليه في تنقيبات المنطقة.

الأجمل في سيراميك مادبا، هو أن الرسامين يستوحون خطوطهم وزخارفهم مباشرة من النقوش البيزنطية المحيطة بهم؛ فتجد "شجرة الحياة"، والغزلان، والطيور تحف بالآنية بعد حرقها وطلائها، لتتحول قطعة الفخار من مجرد وعاء طيني إلى قطعة من التاريخ الحي الذي يمكنك لمسه واقتناؤه.

بصفتي ابنة هذه الأرض وخبيراً يعي قيمة كل حجر وخيط فيها، أقول لكل من يزورنا: إن ما تقتنونه من أسواق مادبا وماعين وقراها ليس مجرد "تذكارات" سياحية أو سلع تجارية خاضعة للعرض والطلب. أنتم في الحقيقة تأخذون معكم جزءاً من أرواحنا، وقصص أجدادنا، وقطرات من عرق أهلنا الطيبين.

كل قطعة فسيفساء مرصوفة، وكل خيط مغزول في بساط، هو رسالة أردنية من قلب مادبا؛ بلد الإبداع والتعايش، ملتقى الحضارات وحارسة التاريخ. أهلاً بكم دائماً في أرضنا، لتلمسوا الأصالة بأيديكم، وتعيشوها كما عشناها نحن ونعيشها كل يوم.

المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن معرفة وثقافة | More on Knowledge

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم معرفة وثقافة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: أخبارنا. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Knowledge. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: أخبارنا.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free
🔍