د. حازم قشوع
لن أقف طويلًا عند ما أثير من شبهات واختلاسات مالية في بنك القدس، وما يتداول من تقديرات كبيرة لحجمها، كما لن أتوقف كثيرًا عند النقص الذي بدأ يظهر في العتاد والذخائر الأميركية والإسرائيلية التقليدية؛ فهذه الملفات أصبحت جزءًا من مشهد الاستنزاف المتراكم، بعدما استهلكت حرب أوكرانيا جانبًا كبيرًا من المخزونات الغربية، ثم جاءت حرب غزة، لتتبعها المواجهة مع إيران، بما حملته من أعباء عسكرية واقتصادية وأمنية متزايدة.
المسألة اليوم لم تعد مرتبطة بمعركة عسكرية واحدة، وإنما بمعركة أوسع يمكن تسميتها «معركة اللاحرب»؛ أي المعركة التي تستمر فيها الضغوط والعمليات النوعية والاغتيالات والضربات المحدودة، من دون الوصول إلى حرب شاملة، بينما تتآكل قدرة الأطراف على تحمل كلفة المواجهة المفتوحة.
وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل وكأنها تراهن على نموذج مختلف في التعامل مع إيران؛ نموذج يقوم على استهداف البنية القيادية والأمنية والعسكرية، وصولًا إلى محاولة إحداث تغيير داخل النظام نفسه. ومن هنا تأتي أهمية الحديث المتداول عن استهداف مجتبى خامنئي، إذا أصبح ذلك جزءًا من سيناريو أوسع يراد من خلاله إحداث انتقال في قمة السلطة الإيرانية. لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن إسقاط النظام الإيراني؟ بل: من يدفع ثمن هذا السقوط، ومن يحصل على مكافأته؟.
فإذا نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في إحداث تغيير جذري في طهران، فإن إسرائيل ستحتاج، في اليوم التالي،
إلى إعادة بناء قدرتها العسكرية والاقتصادية التي استنزفتها سنوات المواجهة. وهذا يعني أن أي انتصار إسرائيلي محتمل قد يتبعه برنامج واسع لإعادة تسليح الجيش، وتعويض ما استهلك من منظومات وذخائر، وإعادة تنشيط القطاع الخاص، واستعادة الاستثمارات التي غادرت أو جمدت بفعل الحرب، فضلًا عن دعم المالية العامة الإسرائيلية.
وهنا تتحول الحرب من مجرد مواجهة عسكرية إلى اقتصاد سياسي للانتصار؛ فكل طرف يحاول أن ينقل فاتورة الحرب إلى الطرف الآخر، وكل قوة كبرى تبحث عن اللحظة التي تستطيع فيها إعلان أن كلفة الحرب أصبحت استثمارًا سياسيًا لا خسارة استراتيجية.
ولذلك فإن التوقيت يصبح جزءًا من المعركة. فنجاح عملية تغيير النظام الإيراني، إن حدث، قبل الاستحقاقات السياسية الأميركية الكبرى، يمكن أن يمنح الرئيس دونالد ترامب فرصة لتقديم المشهد للرأي العام الأميركي باعتباره انتصارًا استراتيجيًا، وليس مجرد جولة جديدة من جولات الشرق الأوسط. كما أن اقتراب موعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يضيف بعدًا سياسيًا ودبلوماسيًا إلى الحسابات، لأن صورة «النصر» قد تصبح أهم من مجرد نتائج الميدان.
لكن المفارقة أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب. فإيران ليست مجرد قيادة يمكن تغييرها، بل دولة عميقة تمتلك مؤسسات وأجهزة وقوى سياسية وشبكات إقليمية وقدرات صاروخية ونووية وبنية اجتماعية وسياسية متشابكة. ولذلك فإن محاولة إسقاط النظام قد تفتح، بدلًا من إغلاق الصراع، مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وقد تجعل «معركة اللاحرب» أكثر خطورة من الحرب نفسها.
أما إسرائيل، فإنها تقف أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فكلما طال أمد الاستنزاف، ارتفعت كلفة إعادة بناء الجيش والاقتصاد والمجتمع. وقد أظهر تقرير بنك إسرائيل أن الحرب تركت آثارًا مالية واقتصادية كبيرة، بما في ذلك مدفوعات تعويضات واسعة عن أضرار الحرب، حتى مع استمرار مؤشرات الصمود الاقتصادي.
ومن هنا فإن الحديث عن «سقوط النظام» قد يكون، في جانب منه، محاولة لتأجيل سؤال آخر أكثر إلحاحًا: ماذا بعد الحرب؟
فإذا انتهت المواجهة بتغيير النظام في إيران، فستبدأ معركة إعادة ترتيب الإقليم. وإذا لم تنتهِ، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام حرب استنزاف طويلة، تحتاج فيها إلى المزيد من السلاح والمال والدعم الأميركي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.
وبذلك تصبح «معركة اللاحرب» أخطر من الحرب المعلنة؛ لأنها لا تمنح أحدًا لحظة واضحة للنصر أو الهزيمة، وإنما تستنزف الجميع ببطء، وتدفع الأنظمة إلى اختبار حدود قدرتها على البقاء.
ولعل أخطر ما في المشهد أن سقوط النظام الإيراني، إذا تحقق، قد لا يكون نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع على من يرث النفوذ، ومن يدفع فاتورة إعادة البناء، ومن يمتلك القدرة على هندسة النظام الإقليمي الجديد.
وهنا تبرز المخاوف الأوسع؛ فإذا اتجهت إسرائيل، في مرحلة
ما بعد إيران، إلى توسيع نطاق نفوذها أو فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية عبر الاسرلة كما الجنوب اللبناني والجنوب السوري فانها ستذهب إلى مناطق استراتيجية مرتبطة بنهر الفرات، فإن المنطقة قد تدخل في مسار جديد من إعادة رسم خطوط النفوذ والحدود الأمنية. وعندها لن تبقى المسألة مرتبطة بإيران وحدها، بل قد تمتد تداعياتها إلى ملفات عربية وإقليمية أوسع، بما فيها المشرق العربي وتجاه النيل على وجه الخصوص لدواعي توراتيه الا ان أي توسع جغرافي أو أمني بهذا الحجم سيُنتج بالضرورة ردود فعل مقابلة، وسيضع دول المنطقة أمام حسابات جديدة تتعلق بالأمن والمياه والطاقة والحدود والديموغرافيا، وقد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع، بدل أن يطوي صفحة الصراع القديم.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى: قد يكون إسقاط النظام الإيراني أسهل من إدارة اليوم التالي لسقوطه فإيران ليست مجرد نظام سياسي، بل مركز ثقل إقليمي، وأي فراغ ينتج عن سقوطه سيجذب قوى متعددة لمحاولة ملئه. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لن يكون من انتصر في الحرب، وإنما من سيمتلك القدرة على ملء الفراغ، ومن سيعيد توزيع النفوذ، ومن سيضع قواعد النظام الإقليمي الجديد...وفي الشرق الأوسط، قد تسقط أنظمة بالحرب، لكن الأنظمة الإقليمية لا تسقط معها بالضرورة؛ إذ سرعان ما تبدأ معركة أخرى أشد تعقيدًا: معركة من يعيد رسم الخريطة، ومن يملك مفاتيح الأمن والطاقة والمال، ومن يكتب رواية الانتصار...وهنا تحديدًا تكمن خطورة «معركة اللاحرب»؛ فهي قد تكون حربًا بلا إعلان، وانتصارًا بلا نهاية، وسقوطًا لنظام قد يفتح الباب أمام سقوط توازنات كاملة، لا مجرد سقوط نظام واحد...والأخطر من ذلك كله أن المنطقة قد تنتقل من سؤال «من ينتصر؟» إلى سؤال أكثر قسوة يقوم على «من يبقى؟».