🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
203989 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2086 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

د. فوزي مسعد : قراءة في مسودة قانون الإدارة المحلية 2026

سياسة
أخبارنا
2026/06/02 - 00:25 501 مشاهدة

تتضمن مسودة قانون الادارة المحلية 2026 جوانب ايجابية لا يمكن انكارها، خصوصا في توسيع مهام المجالس البلدية في التخطيط الاستراتيجي والعمراني، والمشاريع التنموية والخدمية، والموازنة، والاستثمار، وفتح الباب بصورة اوضح للشراكة مع القطاع الخاص ضمن ضوابط تتعلق بالشفافية، ودراسات الجدوى، وتوزيع المخاطر، وحماية المال العام. وهذا اتجاه مطلوب، لانه يوسع دور البلدية من مجرد جهة خدمية الى جهة يفترض ان يكون لها دور تنموي أوسع.

لكن جوهر المسألة لا يتعلق بعدد الصلاحيات المكتوبة فقط، بل بمدى وضوحها، وبقدرة البلدية على ممارستها فعلا، وبحجم الوصاية المركزية التي تبقى فوقها. فالمسودة، رغم ما فيها من تطوير، ما تزال تمنح الحكومة مساحة واسعة في الحل، والتأجيل، والتعيين، والتفتيش، والرقابة المباشرة، وهو ما يضعف مبدأ المسؤولية المحلية المباشرة امام الناخب. فكيف يطلب من المجلس المنتخب ان يتحمل نتائج النجاح او الفشل كاملة أمام ناخبيه، اذا بقي القرار موزعا بينه وبين المركز، وبقيت الحكومة قادرة على التدخل بهذه الدرجة في مسار عمله كما هو الحال في القانون الحالي؟

ومن اهم الملاحظات ان بعض الملفات ما تزال تدار بمنطق المساهمة لا بمنطق الولاية المحلية الكاملة. ففي النقل العام مثلا، لا تمنح المسودة البلديات ولاية حاسمة على القطاع، بل تبقي دورها في دائرة المساهمة في تطوير البنية التحتية وبعض جوانب التنظيم والاستثمار. وفي ملف النفايات، ورغم النص على الجمع والنقل والتدوير والمعالجة والاستثمار، لا نجد نصا صريحا على خيار تحويل النفايات الى طاقة، مع انه من التوجهات الحديثة التي كان يفترض ان تجد موقعا اوضح في قانون يريد فعلا تطوير الادارة المحلية.

كما ان المسودة تحمل البلديات في بعض المواضع اعباء فنية وقانونية اكبر من قدرتها الواقعية. واخطر مثال على ذلك تحميل البلدية عبء تحديد الابنية المتداعية والآيلة الى السقوط او المضرة بالصحة والبيئة وخطورة هذا النص لا تقف عند حدود الاجراء الاداري، بل تمتد الى ما قد يرتبه ذلك من مسؤولية فنية وقانونية على البلدية في الكشف الدوري المستمر على الأبنية وقد لا تكون القديمة فقط واذا وقع خطأ في التقدير او حدث انهيار او ضرر. فهذا النوع من القرارات لا يجوز ان يبنى على تقدير بلدي عام فقط، ويجب ان يقتصر دور البلدية على متابعة اجراءات السلامة العامة والتنفيذ بعد التبليغ والتقرير من الجهات المختصة، لا ان تتحمل وحدها عبء التقدير الفني منذ البداية. وكذلك في موضوع فرض الرسوم والبدلات لبعض الانشطة، ما تزال الحاجة قائمة الى آلية اوضح ومعايير محددة حتى لا تبقى القرارات عرضة للاجتهاد والتفاوت والخلاف.

وفيما يتعلق بالشباب والمرأة، فان توسيع قاعدة المشاركة هدف محمود من حيث المبدأ، لكن خفض سن الترشح لا يضمن تحسين العمل البلدي، لانه يحتاج ايضا الى خبرة عملية وتأهيل وكفاءة. وكذلك الحال في موضوع الكوتا النسائية، حيث كان الاجدر تقييم اثر التجربة القائمة تقييما دوريا قبل رفع النسبة، لمعرفة ما اذا كانت قد حققت غاياتها في توسيع التمثيل النوعي والتمثيل الحقيقي للمرأة الاردنية وتعزيز المنافسة وهل حققت الأهداف التي وضعت عند إقرارها في التشجيع والتوعية في دور المرأة ليتم تخفيضها مع الوقت وليس زيادتها كما هو مقترح وبالتالي الانتقال تدريجيا الى تمكين سياسي ومجتمعي اكبر يجعل المرأة تنافس وتفوز ببرنامجها وكفاءتها. وما يلفت الانتباه هنا ان بعض هذه المواد توحي وكأنها اقرب الى طمأنة المجتمع واسترضاء بعض فئاته، اكثر من كونها جزءا من رؤية اصلاحية كلية ومترابطة.

وتبرز اشكالية اخرى في موضوع تصنيف البلديات، فالنص يذكر معايير متعددة مثل عدد السكان، والاداء المالي والاداري، والمساحة، والفقر والبطالة، وجودة الخدمات، لكنه لا يبين الاوزان ولا طريقة القياس ولا الجهة الفنية التي تحتسب هذه المعايير. ولذلك فالمشكلة ليست في غياب المعايير تماما، بل في تركها فضفاضة وقابلة للتقدير الواسع. كما ان المادة المتعلقة بضم البلديات وتوسيع حدودها او تعديلها، ورغم اشتراطها دراسة اثر اداري ومالي وخدمي، لا تنص صراحة على اخذ رأي البلديات المتأثرة او المجتمع المحلي، وهو ما يضعف البعد الديمقراطي في قرارات هامة تمس السكان مباشرة.

ويظهر الاشكال المؤسسي ايضا في بعض التفاصيل الداخلية، مثل ازدواجية دور المدير التنفيذي، اذ يكون عضوا في لجنة التنظيم والابنية، ثم يمنح لاحقا حق الاعتراض على بعض قراراتها، وهو وضع غير مريح من الناحية التشريعية، لان من يشارك في القرار قد يصبح لاحقا معترضا عليه. كما ان النص الذي يجيز لعدة بلديات تشكيل وحدة رقابة داخلية مركزية مشتركة، لكنه يشترط لذلك موافقة الوزارة، يكشف مرة اخرى ان يد المركز ما تزال حاضرة حتى في اليات الرقابة المشتركة التي يفترض ان تعكس قدرا من الاستقلال المؤسسي المحلي.

اما على مستوى المحافظات، فهنا تظهر واحدة من اكثر النقاط ارباكا في المسودة، وهي مجلس المحافظة. فهذا المجلس، بحسب التشكيل المقترح، ليس صغيرا ولا بسيطا، بل يتكون من رؤساء بلديات، وممثلين عن النقابات، وغرفة التجارة، واتحاد المزارعين، والاتحاد النسائي، وتجمع لجان المرأة، واتحاد الجمعيات الخيرية، وممثلين عن الشباب، الى جانب تمثيل خاص لبعض المناطق. هذه التركيبة الواسعة قد تبدو شاملة على الورق، لكنها تخلق في الواقع مجلسا كبير الحجم، متشعب التمثيل، وثقيلا في الحركة واتخاذ القرار، ويقل فيه التمثيل الديمقراطي المباشر الذي كان الهدف الرئيسي للامركزية لان جزءا كبيرا من اعضائه ليس منتخبا انتخابا مباشرا من المواطنين.

والعدد الكبير قد يقود الى ارباك في الاداء، وضعف في الفاعلية، وتشوش في المسؤولية، بدل ان يكون المجلس اداة رشيقة لتحديد اولويات المحافظة والدفاع عنها. كما ان النص يفترض وجود رؤساء فروع لنقابات معينة على مستوى المحافظة، وفي العاصمة قد تكون البنية مختلفة او اقل وضوحا، مما يستدعي التفكير في بديل تشريعي احتياطي اذا لم يوجد فرع او كان التمثيل غير منطبق عمليا.

ويزداد هذا الارباك عندما ننظر الى العلاقة بين مجلس المحافظة والمجلس التنفيذي. فالمجلس التنفيذي، برئاسة المحافظ، يتولى اعداد مشروعات الخطط الاستراتيجية والتنفيذية، ودليل الاحتياجات، ومشروع الموازنة، ثم يحيلها الى مجلس المحافظة لاقرارها، كما يتابع التنفيذ والمراقبة. من حيث المبدأ، هذا الفصل بين الاعداد والتنفيذ من جهة، والاقرار والمتابعة من جهة اخرى، يبدو منطقيا. لكن المشكلة العملية ان العبء يصبح كبيرا جدا على المحافظ والمجلس التنفيذي، خاصة عندما يكون مجلس المحافظة نفسه كبيرا ومركبا ومتشعب الاتجاهات. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن امام هيكل يساعد على القرار السريع والفاعل، ام امام بنية ثقيلة قد تربك الادارة بدل ان تسهلها؟ ويزيد من ذلك ان الحاجة العملية تقتضي لجانا فنية متخصصة بحسب طبيعة المشروع ومتطلباته، لا الاكتفاء بلجنة فنية عامة قد لا تغطي جميع الاحتياجات.

وفي جانب البناء الديمقراطي، تبقى هناك فجوة لا تقل اهمية عن الجوانب الادارية، وهي غياب الدور المؤسسي الواضح للاحزاب وغياب الربط الحقيقي مع مسار التحديث السياسي. فالمواد المنظمة لتشكيل المجالس تركز على الافراد، والتمثيل المناطقي، والجهات النقابية والمجتمعية، لكنها لا تعكس رؤية واضحة تجعل العمل البلدي ساحة تنافس برامجي حزبي منظم. وحتى في تشكيل مجلس المحافظة، ورغم اتساعه، لا يظهر حضور حزبي منظم في البنية المقترحة، ما يجعل المسودة اقرب الى اصلاح اداري وتنظيمي منها الى اصلاح سياسي محلي متكامل.

أخيرا فان المسودة فيها خطوات متقدمة في الحوكمة، والشراكة، والتخطيط، لكنها ما تزال اقل من ان تؤسس لحكم محلي قوي وواضح المسؤولية. فهي تمنح البلديات بعض الصلاحيات، لكنها تبقي المركز فوقها، وتطرح هياكل واسعة ومربكة، وتحمّل البلديات احيانا ما يفوق طاقتها الفنية والقانونية، من دون ان تعكس بما يكفي روح التحديث السياسي. ولذلك، اذا اريد لهذا القانون ان يكون خطوة اصلاح حقيقية، فالمطلوب ليس فقط نصا اداريا افضل، بل قانونا يوسع الولاية المحلية، ويقلص الوصاية، ويوضح المسؤوليات، ويربط البلديات فعلا بالمساءلة الشعبية والسياسية المباشرة.


مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free