د. انس عضيبات : انكسار القدوة: كيف تخلت المؤسسات التربوية والاجتماعية عن دورها الحمائي؟
•في زمن مضى، لم يكن المعلم مجرد ناقل للمعلومة، ولم تكن الأسرة مجرد جهة لتوفير الالتزامات المادية؛ بل كانا يمثلان معًا "المظلة الحامية" والقدوة التي يتكئ عليها الصغار لتلمس طريقهم نحو الحياة.
•اليوم، يمر المجتمع بتحول بنيوي متسارع، تبدو فيه هذه المظلات التقليدية وكأنها تُخلي مواقعها طواعية.
•وهذا الانسحاب الصامت للمؤسسات التربوية والاجتماعية عن دورها الحمائي والأخلاقي لم يترك وراءه فراغًا عاديًا، بل فتح الباب على مصراعيه لـ"انكسار القدوة"، حيث بات الجيل الجديد يواجه رياح العصر العاتية بلا...
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
في زمن مضى، لم يكن المعلم مجرد ناقل للمعلومة، ولم تكن الأسرة مجرد جهة لتوفير الالتزامات المادية؛ بل كانا يمثلان معًا "المظلة الحامية" والقدوة التي يتكئ عليها الصغار لتلمس طريقهم نحو الحياة. اليوم، يمر المجتمع بتحول بنيوي متسارع، تبدو فيه هذه المظلات التقليدية وكأنها تُخلي مواقعها طواعية. وهذا الانسحاب الصامت للمؤسسات التربوية والاجتماعية عن دورها الحمائي والأخلاقي لم يترك وراءه فراغًا عاديًا، بل فتح الباب على مصراعيه لـ"انكسار القدوة"، حيث بات الجيل الجديد يواجه رياح العصر العاتية بلا بوصلة ترشده، وبلا جدار صلب يستند إليه.ولقد تحولت المدرسة، بفعل ضغوط العصر ومتطلبات "تسليع التعليم"، من فضاء حيوي لبناء القيم وتشكيل الوعي الإنساني إلى مجرد قاعات باردة للتلقين وجمع العلامات. وفي هذا السياق، تراجعت مكانة المعلم كمنارة تربوية وأيقونة ملهمة، ليصبح موظفًا يرزح تحت وطأة الأعباء الإدارية والضغوط الاقتصادية، مجردًا من أدوات التأثير المعنوي. وحين تفقد المؤسسة التعليمية روحها الأبوية الحاضنة، وتختزل الطالب في مجرد رقم في كشوفات الناجحين أو الراسبين، فإنها تفكك، بوعي أو بدون وعي، ذلك الرابط الإنساني المقدس، وتتحول من بيئة لحماية الطفولة إلى ساحة للاغتراب النفسي والمعرفي. وبالتوازي مع هذا التراجع التربوي، تشهد المؤسسة الأسرية انكفاءً يتمثل في "غياب الحضور الداعم". فالآباء، تحت وطأة الملاحقة اليومية لتأمين متطلبات العيش الكريم والرفاه المادي، استبدلوا الإنصات الفعال بالرعاية المشروطة، وظنوا، خطأً، أن توفير الأجهزة الذكية وسداد الأقساط المدرسية يغني عن الدعم النفسي والتربية بالقدوة. وهذا النزوح الأسري نحو المادية أفرز بيوتًا متباعدة عاطفيًا، رغم ضيق جدرانها، حيث يعيش الأبناء في جزر معزولة، ويفتقدون ذلك النفوذ الأخلاقي الهادئ للوالدين، مما جعل مفهوم "الأمان الأسري" يتراجع لصالح علاقات قائمة على التوجيهات الجافة واللوم المستمر عند الخطأ. وحين انكسرت القدوة داخل البيت والمدرسة، لم يتأخر البديل؛ إذ سارع الفضاء الرقمي إلى ملء هذا الفراغ بذكاء وبشاعة في آن واحد. ولقد وجد المراهقون والشباب في منصات التواصل الاجتماعي مرافئ بديلة، ونصبوا من "المؤثرين وصناع المحتوى السطحي" قدوات جديدة تقود وعيهم الجمعي. وخطورة هذا البديل الرقمي لا تكمن فقط في هشاشة القيم التي يقدمها، بل في كونه يوفر شاشات براقة تمنح صغار السن شعورًا زائفًا بالانتماء والقبول، بينما هو، في الحقيقة، ينتزعهم من واقعهم، ويعمق عزلتهم، ويزيد منسوب قلقهم الوجودي عبر مقارنات مستمرة مع حيوات افتراضية مثالية لا تشبه واقعهم في شيء. إن هذا الانسحاب المؤسساتي عن الدور الحمائي أدى إلى ولادة "جيل بلا مراسٍ"، يعاني من تيه حقيقي في الهوية، وتدنٍ في القدرة على مواجهة الأزمات النفسية. وعندما يلتفت الطفل أو المراهق حوله ولا يجد في محيطه المباشر شخصية ناضجة تلهمه بالصبر، أو تعلمه كيف ينهض بعد السقوط، فإنه يصبح فريسة سهلة للضياع السلوكي والهشاشة النفسية. وهذا الانكسار في بنية القدوة يعيد إنتاج مجتمع مفكك الروابط، يفتقد إلى التماسك الأخلاقي، وتغيب عنه معايير الصواب والخطأ، لأن المنظومة التي كان من المفترض أن تورث الحكمة، انشغلت بنقاشات القشور وتركت اللباب. إن استعادة الدور الحمائي للمؤسسات التربوية والاجتماعية ليست ركضًا خلف ماضٍ مضى، بل هي ضرورة حتمية لإنقاذ المستقبل وأنسنة الحاضر. وإننا بحاجة ماسة إلى إجراءات تصحيحية تعيد للمجال التربوي قيمته الرسالية، وللأسرة دفقها العاطفي الحاضن؛ ثورة تبدأ من الاعتراف بأن حماية الأبناء لا تكون بتحصينهم بالماديات، وإنما بزرع المعنى في نفوسهم عبر قدوات حقيقية تعيش بينهم، تمنحهم الوقت قبل النصيحة، والاستماع قبل الأحكام. وإن إنقاذ هذا الجيل يتطلب شجاعة مجتمعية لإعادة بناء الجسور المكسورة، وتأكيد أن الإنسان لا ينضج سوى في كنف إنسان آخر يمنحه الدفء والأمان، كقدوة حية، لا كأيقونة عابرة على شاشة الهاتف.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


