د. عثمان الطاهات : من النفط الرخيص إلى الأسعار العالمية: خسارة صينية محتملة
تعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أهم بؤر الصراع الجيوسياسي في العالم، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي، بل لاحتوائها على أكبر احتياطات الطاقة التي تعد عصب الاقتصاد العالمي، وفي هذا السياق يمكن فهم السياسات الأميركية في المنطقة من خلال هدف أوسع يتمثل في التحكم بمصادر الطاقة العالمية، وبالتالي التأثير على القوى الاقتصادية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين. تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي، وهي تدرك أن الطاقة تمثل أحد أهم أدوات النفوذ الاستراتيجي، فالصين، التي تعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز لتغذية نموها الصناعي المتسارع، ومن هنا، يصبح التحكم في مصادر الطاقة أو التأثير على أسعارها وسلاسل توريدها وسيلة فعالة للضغط على الاقتصاد الصيني وإبطاء وتيرة صعوده. يمكن قراءة التحركات الأميركية تجاه بعض الدول الغنية بالطاقة فقد عملت واشنطن على خطف رئيس فنزويلا مما افضى الى تحكم واشنطن بأكبر احتياطي نفطي في العالم، وهو ما أدى إلى تقليص قدرة الصين على الحصول على النفط الفنزويلي بأسعار منخفضة وكانت بكين قد استفادت لسنوات من هذه الإمدادات الرخيصة في دعم نموها الاقتصادي، خاصة في ظل حاجتها المتزايدة للطاقة. وبعد تقليص هذا المصدر، اتجهت الأنظار إلى إيران، التي تمتلك بدورها احتياطات ضخمة من النفط والغاز وقد استفادت الصين أيضاً من شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة نتيجة العقوبات الأميركية المفروضة على طهران غير أن السياسات الأميركية، خصوصاً في فترة إدارة دونالد ترامب، اتخذت مساراً مزدوجاً من جهة تنفيذ حملة عسكرية على ايران ومن جهة أخرى السعي إلى فتح باب التفاوض من طهران للتوصل إلى تفاهمات مستقبلية يكون عامل النفط هو الاساس. هذا التوجه لم يكن بعيداً عن هدف إعادة إدماج النفط الإيراني في السوق العالمية وفق الأسعار الدولية، ما يعني حرمان الصين من ميزة الحصول على النفط بأسعار تفضيلية بالمقابل شهدت السياسة الأميركية تحولاً في التعامل مع النفط الروسي، حيث تم تخفيف بعض القيود بما يسمح بعودة النفط الروسي إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يفرض على الصين شراءه بالاسعار العالمية بدلاً من الاستفادة من الخصومات. هذه السياسات مجتمعة تعكس استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تطويق الصين اقتصادياً، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال أدوات غير تقليدية، مثل التحكم في أسواق الطاقة العالمية فارتفاع تكلفة الطاقة بالنسبة للصين يعني زيادة تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية للصادرات الصينية، وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي. ومن منظور استراتيجي، تسعى الولايات المتحدة إلى تأجيل صعود الصين كقوة منافسة على الساحة الدولية، والحفاظ على نظام دولي أحادي القطبية أو على الأقل إبطاء التحول نحو نظام متعدد الأقطاب. وتُدرك واشنطن أن استمرار النمو الاقتصادي الصيني بمعدلات مرتفعة سيعزز من نفوذ بكين السياسي والعسكري، وهو ما يشكل تحدياً مباشراً للهيمنة الأميركية. في المقابل، تعمل الصين على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز استثماراتها في مشاريع الطاقة حول العالم، بما في ذلك مبادرة «الحزام والطريق»، لتقليل اعتمادها على مصادر قد تكون عرضة للضغوط السياسية كما تسعى إلى تطوير مصادر الطاقة البديلة والمتجددة كجزء من استراتيجيتها طويلة الأمد.




