تابع المقالة بين تسليم السلاح والتمرد: أين يتجه ملف الفصائل في العراق؟ على الحل نت.
تتجه الحكومة العراقية بخطوات حثيثة نحو حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية مع اقتراب مهلة 30 أيلول/ سبتمبر 2026، متبعة خيار الحوار والتفاهم لتجنب التصادم المباشر مع التشكيلات المسلحة. وقد أثمر هذا المسار الهادئ عن استجابة ملموسة؛ حيث أبدت عدة فصائل مرونة واضحة وبدأت بالفعل خطوات تنفيذية لتسليم أسلحتها وفك ارتباطها التنظيمي، رغبة منها في التأقلم مع المتغيرات وسيادة القانون.
في المقابل، يتصادم هذا المسار الحكومي مع موقف رافض ومتشدد تقوده فصائل محددة -وفي مقدمتها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”- التي أعلنت صراحة تمسكها بالترسانة العسكرية ورفضها الانصياع لقرارات التسليم. وهذا الرفض يضع مهلة 30 أيلول أمام اختبار حقيقي، ويزيد من تعقيد المشهد بين حكومة تسعى لسحب البساط من السلاح المنفلت، وفصائل متشددة تصر على إبقاء سلاحها خارج سلطة الدولة.
في هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، عدم وجود نية لدى حكومته للتصادم العسكري مع الفصائل المسلحة، مؤكداً استمرار الحوار معها بشأن حصر السلاح بيد الدولة. وقال الزيدي خلال “مؤتمر حوار بغداد”، إن عدداً من الفصائل سلّمت سلاحها، فيما تتواصل المفاوضات مع فصائل أخرى لوضع آليات التسليم، مؤكداً اتفاق القوى السياسية على المضي في حصر السلاح، ومشدداً على أن وجود السلاح خارج إطار الدولة مرفوض ويؤثر في الأمن والاستقرار والاستثمار.
حصر السلاح بيد الدولة.. دعم سياسي وتفاهمات معقدة
وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس “المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية” أحمد الياسري، في حديث لـ “الحل نت”، أن “ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق صعب ومعقد جداً، خصوصاً في ظل تقاطع الإرادات السياسية والأمنية”، مشيراً إلى أن الإجراءات التي يتخذها رئيس الوزراء الزيدي في هذا الملف تأتي ضمن حدود معينة، ولا تعني التوجه نحو مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة”.
ويوضح الياسري، أن أبرز ما يمكن أن يقوم به رئيس الوزراء هو احتواء سلاح الفصائل وتنظيمه سياسياً وأمنياً، لافتاً إلى أن “قرار تنظيم هذا الملف يرتبط بشكل أساسي بالإطار التنسيقي، باعتباره الجهة السياسية الراعية للفصائل أو المتقاطعة معها في التوجهات”.
ويبيّن، أن الإجراءات المطروحة تتضمن تنظيم سلاح الفصائل ضمن إطار الدولة، مع دمجها في “الحشد الشعبي”، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة معها، مؤكداً أن “هذا المسار يمكن أن يساعد الحكومة على استعادة المبادرة الأمنية والسياسية وتجنب العقوبات الأميركية.
من جانبه، أفاد عضو المكتب السياسي لائتلاف “الإعمار والتنمية”، محمد السامرائي، في لقاء متلفز، أن “الاتفاقيات الدولية الحالية، التي تضمنت جدولة انسحاب قوات التحالف الدولي وإلغاء تفويض استخدام القوة ضد العراق من قبل الكونغرس، أزالت الأسباب التي كانت تتذرع بها فصائل المقاومة لحمل السلاح”، معتبراً أن خروج آخر جندي أجنبي يعني انتفاء مبرر وجود السلاح خارج إطار الدولة، مما يوجب بالضرورة الانتقال إلى وحدة القرار الأمني المطلقة.
وشدد السامرائي، على أن التوجه الحالي للدولة لا يعتمد على الصدام العسكري المباشر، بل على قوة القانون، مبيناً أن الخطوة القادمة هي تجريم كل من يحمل سلاحاً خارج المؤسسات الرسمية وفق أحكام قانون “مكافحة الإرهاب”، معتبراً أن “الدولة بمؤسساتها الدستورية والقضائية باتت قادرة على حماية حدودها وتحقيق أمنها دون الحاجة إلى قوى رديفة دائمة”، فيما أكد أن “الحفاظ على أمن 46 مليون عراقي يتطلب حصر السلاح بيد الدولة حصراً، لتجنب العقوبات الدولية وضمان تدفق الرواتب والسيولة النقدية”.
على المستوى السياسي، تصاعدت الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع تحركات عراقية وإيرانية لبحث مستقبل الفصائل المسلحة وعلاقتها بالدولة، حيث أكد رئيس تحالف “قوى الدولة الوطنية” عمار الحكيم، أهمية حصر السلاح بيد الدولة وتسليم سلاح الفصائل إلى هيئة “الحشد الشعبي”، بوصفها مؤسسة حكومية رسمية.
وفي السياق ذاته، ناقش رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ملف حصر السلاح، مطالباً طهران بدعم توجه الحكومة العراقية وعدم تشجيع الفصائل على رفض التسليم، إذ بحسب مصدر نقل عنه موقع “الحرة”، سأل الحلبوسي قاليباف عما إذا كانت إيران ستقبل بتشكيل فصائل عراقية مسلحة داخل أراضيها، فأجاب بأن طهران سترفض ذلك، مؤكداً دعمها لقرار الدولة العراقية.
من جانبه، أكد قاليباف خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، أن إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، وأنها تدعم أي اتفاق تتوصل إليه الفصائل والمسؤولون العراقيون ضمن إطار الدستور، مع الحفاظ على استقلال العراق وسيادته.
وكان “ائتلاف إدارة الدولة” الذي يضم القوى السياسية المشاركة في البرلمان، أكد دعمه لمواصلة الجهود لحفظ الأمن والاستقرار، والجهود الرامية إلى حصر السلاح، مبيناً أنه “سيتم التعامل بقانون مكافحة الإرهاب مع أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة”.
انفلات البوصلة.. تحولات النفوذ وحدود التحكم الإقليمي
واقعياً، لم تعد العلاقة بين إيران والفصائل المسلحة التي تدعمها قائمة بالدرجة نفسها على نموذج القيادة والسيطرة المباشرة، بل تحولت تدريجياً إلى شبكة أكثر لامركزية، تتمتع فيها الفصائل بهامش أوسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من بينها غياب عدد من قادة الميدان التاريخيين والتغيرات داخل “الحرس الثوري”، فضلاً عن التحول السياسي الذي شهدته فصائل عدة، خصوصاً في العراق، بعد دخولها العملية السياسية وامتلاكها تمثيلاً برلمانياً ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة.
كما أن امتلاك بعض الفصائل مصادر تمويل وشبكات اقتصادية محلية، إلى جانب الضغوط الحكومية والدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، جعل حساباتها المحلية والسياسية أكثر حضوراً في قراراتها.
وهذا ما يحلله أحمد الياسري في حديثه لـ “الحل نت”، قائلاً إن “تنظيم سلاح الفصائل لا يخدم العراق وحده بل قد يخدم إيران أيضاً، خصوصاً في ظل تحوّل الفصائل إلى عبء عندما يصبح سلاحها ونشاطها غير منظمين”، موضحاً أن “طهران حاولت سابقاً، عبر الحرس الثوري، تنظيم العلاقة بين الفصائل والقوى السياسية المرتبطة بها، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح بصورة كاملة”.
ويبيّن الياسري، أن المشهد العراقي انتقل بعد مقتل قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، من مرحلة كانت فيها إيران أكثر قدرة على التحكم بقرار الفصائل، إلى مرحلة أصبحت فيها بحاجة إلى تنظيم وتغطية سياسية وأمنية لنفوذها داخل العراق، معتبراً أن الزيدي يتحرك ضمن هذا التعقيد.
الياسري يلفت، إلى أن إجراءات الحكومة تحقق مصلحتين متوازيتين؛ الأولى للعراق من خلال محاولة استعادة المبادرة الأمنية والسياسية وتجنب العقوبات الأميركية، والثانية لإيران عبر تنظيم العلاقة بين نفوذها السياسي والنفوذ الأمني للفصائل.
واستبعد الياسري، توجه رئيس الوزراء علي الزيدي إلى مواجهة عسكرية مع الفصائل، مؤكداً أن “المواجهة ليست المسار المطروح حالياً، فيما قد يؤدي الصدام المباشر إلى إدخال العراق في مسار خطير باعتباره مواجهة غير مباشرة مع إيران”.
وأشار إلى أن تجربة حكومة مصطفى الكاظمي تؤكد صعوبة هذا المسار، مبيناً أن الكاظمي، رغم الرهان عليه في مواجهة الفصائل، لم يتمكن من حسم الملف، فيما تعرض منزله للقصف ووقعت عمليات اغتيال لناشطين ومستشارين مقربين منه خلال تلك المرحلة.
لكن السياسي العراقي والنائب الأسبق، ظافر العاني، يقرأ المشهد بشكل أكثر خطورة، حيث يرى أن زيارة قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني الأخيرة إلى العراق، تضمنت تحريضاً للفصائل المسلحة على التمرد على الدولة العراقية.
وقال العاني في تدوينة عبر معرفاته الرسمية، إن “قاآني، في زيارته الأخيرة للعراق، حرّض فيها الميليشيات للتمرد على الدولة العراقية”، مشيراً إلى أن “ذلك ظهر في لهجة التحدّي الوقح التي أظهرتها الفصائل المسلحة، وإعلان امتناعها عن الامتثال لقرار تسليم السلاح للدولة”.
وأضاف العاني، أن “إيران انتقلت الآن من مشروع إضعاف وتخريب الدولة العراقية إلى محاربتها”، مبيناً أنها “تراهن على استخدام كل أتباعها في حربها المتوقعة مع أميركا، ولا تريد لأحد أن يعيق مشروعها حتى لو كانت الدولة العراقية نفسها”، مردفاً: “أغلب الظن أن إيران ستصطدم، هذه المرة، بإرادة عراقية لم يسبق لها أن جربتها في الحكومات السابقة”.
فصائل تسلم السلاح وتنضم للدولة وأخرى تلوح بالتحدي ورفض التسليم
في ترجمة لعملية حصر السلاح بيد الدولة، أعلن “الإطار التنسيقي” انضمام رئيس “تحالف خدمات”، شبل الزيدي، إلى قيادته. والزيدي هو الأمين العام لحركة “كتائب الإمام علي”، ورئيس “تحالف خدمات” الذي حصل على نحو 7 مقاعد في الانتخابات النيابية الأخيرة، وجاء انضمامه إلى “الإطار” بعد سلسلة من الخطوات، أبرزها إعلان “كتائب الإمام علي” الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات “الحشد الشعبي” وحصر السلاح بيد الدولة.
وفي خطوة مماثلة، أعلنت “عصائب أهل الحق”، الجناح العسكري لكتلة “صادقون” النيابية والتي يبلغ حجم تمثيلها النيابي نحو 30 مقعداً، بدء تنفيذ قرار فك الارتباط وتسليم السلاح للدولة، معتبرة أن الخطوة تأتي استجابة لدعوة المرجعية الدينية العليا في النجف، والموقف الوطني لـ “الإطار التنسيقي”، إذ شكلت الحركة لجنة مركزية لاستكمال الإجراءات، بما يشمل جرد الأفراد والأسلحة والمعدات وتنظيم الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة بما ينسجم مع مؤسسات الدولة.
عملياً، تختلف طبيعة الفصائل المسلحة في العراق القريبة من إيران عن بعض حلفائها الإقليميين، مثل جماعة “الحوثي” في اليمن و”حزب الله” في لبنان؛ فالفصائل في العراق لا تتحرك وفق قرار موحد بالدرجة نفسها، بل تتباين مواقفها تبعاً لتركيبة كل فصيل وحساباته السياسية ومصالحه المحلية وعلاقته بالدولة. إذ يمكن القول إن الفصائل العراقية باتت تعمل ضمن مستويات مختلفة من الاستقلالية، فيما تتمتع بعض القيادات بهامش أوسع في اتخاذ القرار والمناورة بعيداً عن التوجيه المباشر من طهران.
ويظهر هذا التباين في طريقة تعاملها مع القضايا الداخلية والإقليمية وموضوعة تسليم السلاح للدولة؛ حيث تميل فصائل إلى تغليب العمل السياسي والحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بينما تتمسك فصائل أخرى بخطاب التصعيد وعدم تسليم السلاح للدولة، وأبرزهما “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” اللذين أعلنا صراحة رفضهما تسليم السلاح.
وأعلن المسؤول الأمني لـ “كتائب حزب الله” أبو مجاهد العساف، عن 3 شروط للمقاربة مع أي حكومة، تتضمن الخروج الكامل للقوات الأميركية، وإخراج القوات التركية من شمال العراق، وحل قوات “البيشمركة”. أما “حركة النجباء”، فقد قال المتحدث باسمها حسين علي الموسوي، إن الحركة لن تسلم سلاحها إلى الدولة بأي شكل من الأشكال، معتبراً أن التحركات الرامية لحصر السلاح هي “خطة مدبرة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف قوى المقاومة الإسلامية”.
تحركات أمنية وسياسية.. حسم الملف أمام سقف الإجراءات
مع اقتراب مهلة نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة مرحلة أكثر حساسية، وسط تحركات حكومية وأمنية متسارعة لحسم ملف الفصائل المسلحة.
ونقل النائب في البرلمان العراقي عثمان الشيباني، تحذيرات “شديدة الخطورة” أطلقها رئيس الوزراء علي الزيدي، مفادها أن فشل الدولة في نزع السلاح قد يدفع المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى التدخل مباشرة، محذراً من أن الأمر قد يتطور إلى استهداف مقرات الفصائل، فضلاً عن تداعيات اقتصادية تشمل العزلة الدولية وتجميد بعض التدفقات المالية.
وبالتزامن مع ذلك، كشفت تقارير عن تحركات أمنية ضد مقرات وشبكات مرتبطة بفصائل مسلحة، إذ نفذ “جهاز مكافحة الإرهاب”، بالتعاون مع جهاز المخابرات، مداهمة في بغداد أسفرت عن اعتقال 3 أشخاص وضبط طائرات مسيرة، وسط معلومات عن ارتباط الخلية بشخصيات إيرانية.
في المقابل، أكد المستشار الأمني لرئيس الحكومة العراقية قاسم الأعرجي، أن الحكومة جادة في عملية فك ارتباط الفصائل، مشيراً إلى استمرار الحوار معها وتحقيق نتائج إيجابية، مردفاً أن جميع الفصائل تتوافق على مبدأ تسليم السلاح، لكن استكمال الإجراءات يحتاج إلى تعزيز الثقة وتوفير الضمانات.
وشدد الأعرجي في مقابلة تلفزيونية، على أن حصر السلاح بيد الدولة “قرار عراقي” ولا يخضع لتدخل خارجي، مؤكداً أن الدولة والقوى السياسية تمثلان الضمانة الأساسية للوصول إلى حل لهذا الملف.
ويرى الباحث أحمد الياسري، في حديثه لـ “الحل نت”، أن الزيدي جاد في إجراءاته بشأن حصر السلاح بيد الدولة، لكن ضمن سقف وحدود معينة، وليس عبر عملية مطلقة أو مواجهة شاملة مع الفصائل، معتبراً أن “أي تحول جذري في هذا الملف سيكون أسهل في حال تغيرت الظروف الإقليمية وانقطع الدعم والتسليح عن الفصائل.
وما يمكن ذكره، أن “الإطار التنسيقي” شكل لجنة سياسية تضم الأمين العام لـ “منظمة بدر” هادي العامري، ورئيس ائتلاف “الإعمار والتنمية” محمد شياع السوداني، وزعيم “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي، تتولى مهمة التفاهم مع الفصائل بشأن آليات التخلي عن السلاح والضمانات المطلوبة، وتتحرك اللجنة في مساحة سياسية معقدة، إذ تتفق القوى المنضوية في “الإطار التنسيقي” على مبدأ حصر السلاح، لكنها تختلف بشأن طريقة التنفيذ والتوقيت والضمانات التي تطالب بها الفصائل.
- بين تسليم السلاح والتمرد: أين يتجه ملف الفصائل في العراق؟
- واشنطن تزيل اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. ما التفاصيل؟
- أميركا تطلق عملية “العزل الاقتصادي” ضد إيران.. عقوبات على 60 جهة وتهديد للصين
- مراوغة إيران في المفاوضات.. وواشنطن تبدأ حرباً اقتصادية قد تقلب حساباتها
- واشنطن تطلق “أضخم هجوم مالي” على إيران
تابع المقالة بين تسليم السلاح والتمرد: أين يتجه ملف الفصائل في العراق؟ على الحل نت.





