بين تمثال دبل وأبواب الأقصى: من يحكم قداسة الأمكنة؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في الحروب الطويلة، لا تُختبر المعايير في ساحات القتال وحدها، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى المقدسات، وفي اللغة التي تُستخدم حين تُمسّ الرموز الدينية. هناك، تظهر السياسة أحيانًا بأوضح صورها: ليس فقط في الفعل، بل في توصيف الفعل، وفي سرعة الإدانة هنا، وبطء التبرير هناك.
من هذه الزاوية، لا تبدو المقارنة بين ما جرى لتمثال دبل وما جرى عند أبواب الأقصى مقارنة بين حادثتين منفصلتين، بل بين طريقتين مختلفتين في التعامل مع فكرة الحرمة نفسها. ففي دبل، أثار تحطيم رمز مسيحي استياءً واسعًا، وأعقبته إدانة إسرائيلية رسمية واعتذار وإعلان عن التحقيق. وفي القدس، حين تُفرض قيود على الوصول إلى المسجد الأقصى أو تُغلق أبوابه أو تُقيَّد حرية العبادة فيه، تتقدم لغة الأمن والضرورات والظروف الاستثنائية على لغة الاعتذار والمراجعة الأخلاقية.
هنا تحديدًا يظهر جوهر المسألة. فالمشكلة ليست في أن يُدان الاعتداء على رمز مسيحي، فهذا واجب أخلاقي وإنساني لا خلاف عليه. المشكلة تبدأ حين يبدو أن هذا الحرص لا يعمل بالمستوى نفسه عندما يتعلق الأمر بمقدسات أخرى، أو بمجتمعات أخرى، أو بحقوق عبادة لا تقل قداسة ولا وزنًا. عندئذٍ، لا يعود السؤال متعلقًا بحادثة واحدة، بل بالمعيار الذي يحكم تفسير الحوادث كلها.
القراءة العادلة ترفض أمرين معًا: أن يُستخفّ بإهانة الرمز المسيحي بحجة وجود انتهاكات أخرى، وأن يُقدَّم الاعتذار عن تلك الإهانة بوصفه دليلًا كافيًا على احترام شامل للمقدسات. فالمعيار الأخلاقي لا يُقاس بحادثة منفردة، بل بقدرته على الثبات حين يتبدل المكان، وتتغير هوية المتضرر، ويتغير اسم المقدس.
وإذا كان الاعتذار في دبل قد حمل اعترافًا مباشرًا بالإساءة، فإن دلالته السياسية لا تنفصل عن حاجة المؤسسة إلى احتواء الغضب، ومنع تحوّل الحادثة إلى أزمة أوسع داخل بيئة حساسة. وهذه ليست مسألة تخص الجنوب اللبناني وحده، بل تكشف طريقة أوسع في إدارة الانطباع العام: إدانة ما يسبب حرجًا مباشرًا، وتبرير ما يمكن إدخاله في قاموس الأمن أو الحرب أو السيطرة الميدانية.
بهذا المعنى، لا تعود المقدسات في زمن الصراع خارج السياسة، بل تصبح جزءًا من حساباتها. تُرفع حساسية هذا الرمز حين يخدم ذلك التهدئة وتخفيف الضغط، وتُخفَّف حساسية ذاك الرمز حين تتقدم الذرائع العسكرية والأمنية. والمحصلة أن القداسة نفسها تبدو وكأنها تُدار بمكيالين: مكيال يسرع إلى الإدانة، وآخر يبطئها أو يذيبها في التفسير.
إن ما بين دبل والأقصى ليس مجرد مسافة جغرافية، بل مسافة معيار. وفي هذه المسافة يبرز السؤال الحقيقي: من الذي يقرر أن ما حدث هنا تدنيس يستوجب الاعتذار، وأن ما حدث هناك مجرد إجراء يمكن تفسيره أو تجاوزه؟ وحين يصبح الجواب مرتبطًا بموازين القوة والصورة السياسية، لا بالمبدأ الثابت، فإننا نكون أمام انتقائية واضحة، لا أمام منظومة أخلاقية متماسكة.
في النهاية، لا يُقاس احترام المقدسات بسرعة الاعتذار وحدها، بل بوحدة المعيار. فحرمة الأمكنة لا تتجزأ، والكرامة الدينية لا ينبغي أن تخضع لهوية أصحابها أو لموقعهم في الحسابات السياسية. ومن دون هذا الوضوح، يبقى كل اعتذار ناقصًا، وتبقى كل إدانة معرضة للسؤال نفسه: هل صدرت عن مبدأ، أم عن انتقاء؟





