بين وجع الخبز وذاكرة الدم.. من يحاول ركوب موجة اعتصام ميسلون؟
الوطن- أسرة التحرير
في لحظة تختلط فيها الذاكرة بالجوع، والسياسة بالمعيشة، خرج اعتصام ساحة ميلسون في دمشق اليوم، ليضع السوريين أمام مشهد مركب لا يمكن قراءته بخط واحد.
شعارات “بدنا نعيش” ليست جديدة، وهي في جوهرها صادقة ومحقة، تعبر عن ضيق اقتصادي يثقل كاهل الجميع بلا استثناء، لكن ما ليس عادياً هو التوقيت والسياق والوجوه التي حاولت التقدم إلى واجهة هذا المشهد.

فبعد يوم واحد فقط من إحياء ذكرى مجزرة التضامن، حيث لا تزال صور الضحايا شاهدة على واحدة من أبشع جرائم النظام البائد، يظهر حراك مجهول النسب، بلا قيادة واضحة أو جهة معلنة تتبناه، فيما كانت الدعوات إليه تعج على منصات محسوبة على فلول ذلك النظام، وعلى شبكات مرتبطة بأجندات خارجية، وأسماء ارتبطت سابقاً بالفساد والانتهاكات.
هنا تحديداً، يبدأ السؤال المشروع: هل نحن أمام حراك معيشي عفوي، أم محاولة منظمة لسرقة وجع الناس وإعادة تدويره سياسياً؟
لا يمكن إنكار حقيقة أن السوريين يعيشون ظروفاً معيشية قاسية، وأن المطالب الخدمية من كهرباء ومحروقات وتحسين دخل هي حقوق أساسية، بل ضرورة يومية.
لكن المفارقة القاسية تكمن في أن بعض من تصدروا أو حاولوا ركوب موجة هذا الاعتصام، كانوا جزءاً من منظومة أفقرت السوريين وأذلتهم، أو صمتوا على جرائمها، أو شاركوا فيها.
وهنا لا يعود النقاش اقتصادياً بحتاً، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وسياسي: هل يمكن لمن كان شريكاً في الألم أن يتحول فجأة إلى ناطق باسمه؟
هنا المشهد في ساحة المحافظة لم يكن مجرد وقفة مطلبية، بل كان أقرب إلى اختبار حي لتوازنات ما بعد سقوط نظام الأسد.
في جانب، معتصمون يرفعون مطالب معيشية ويستعيدون بعض هتافات 2011، وفي جانب آخر، مواطنون يرفضون هذا الحراك ويعتبرونه محاولة للالتفاف على تضحيات الثورة، وبين الطرفين، وقفت قوات الأمن لا لتقمع، بل لتفصل وتحمي، في صورة تختصر تحولاً عميقاً في طبيعة الدولة السورية الجديدة.
وأحد أكثر المشاهد دلالة، كان رجل أمن يحمي المتظاهرين، في مفارقة تختصر سنوات من التحول: من مطارد بالأمس، إلى حام اليوم.
هذا التحول ليس تفصيلاً، بل هو جوهر ما دفع السوريون ثمنه دماً، التظاهر لم يعد تهمة، والمطالبة لم تعد طريقاً إلى المعتقل، وهذه بحد ذاتها نقطة مفصلية تسجل، ليس كشعار، بل كممارسة على الأرض.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل محاولات الاستفزاز التي رافقت الحراك، ولا الحضور اللافت لشخصيات مثيرة للجدل، ولا محاولات دفع الأمور نحو احتكاك مع قوى الأمن، في سيناريو يبدو مألوفاً: خلق صورة فوضى، ثم توظيفها إعلامياً، هنا يصبح الوعي الشعبي خط الدفاع الأول، ليس ضد التظاهر، بل ضد اختطافه.
كما أن البيانات المضادة للاعتصام، أظهرت الفرق بين المطالب الحقيقية والدعوات الملتبسة، لتؤكد أن الشارع نفسه يدرك حساسية المرحلة، فالمشكلة ليست في “أن نغضب”، بل في “كيف، ومع من، ولماذا الآن؟”.
قوى الأمن من جهتها، تعاملت بروح الدولة الأم لكل أبنائها بجميع أطيافهم وأفكارهم، واختارت الاحتواء بدل المواجهة، والحماية بدل القمع، وهذا ليس فقط سلوكاً أمنياً، بل رسالة سياسية إلى الداخل والخارج: أن سوريا الجديدة قادرة على إدارة التناقضات دون الانزلاق إلى العنف، وأن السلم الأهلي أولوية تتقدم حتى على رغبات الانتقام المودعة في ملف العدالة الانتقالية.
غير أن هذا لا يعفيها من مسؤولية الاستجابة الجدية للمطالب المعيشية، فنجاح الدولة في حماية حق التظاهر، يجب أن يتبعه نجاح في معالجة أسبابه، وإلا، فإن الفراغ الذي تتركه الأزمات الاقتصادية، ستملؤه دائماً أطراف تبحث عن توظيف الغضب، لا حله.
إن ما جرى في دمشق ليس حدثاً عابراً، إنه مرآة لمرحلة انتقالية حساسة، يتقاطع فيها الحق المشروع مع الخطر الكامن، وبين وجع الخبز وذاكرة الدم، يقف السوري اليوم أمام معادلة دقيقة: أن يدافع عن حقه دون أن يسمح بسرقته، وأن يطالب بحياته دون أن ينسى من حاول سلبها منه، وبالتالي المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي.




