بين منظر ومشهد: حين تختار العواطف مساراتها
كتب عبد الرزاق الأدهمي لقلم سياسي،
في اليوم الماضي، انشغل البعض بمشهدٍ مؤلم لشخص يُدعى علي حجازي، وهو يتكلم بحرقة على قتل شاب بجوار والده على دراجة نارية. مشهد حزين بلا شك، فكل دم يسفك على هذه الأرض هو فاجعة إنسانية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كان هذا الحزن الإنساني عندما كان أطفال سوريا يُقتلون بالبراميل المتفجرة، وبالبلطات التي حطمت رؤوسهم الصغيرة؟ أين كان عندما كانت الأمهات تفقد أطفالها الواحد تلو الآخر، والأباء يدفنون أحلامهم تحت الأنقاض؟
ليس المطلوب من أحد أن يكون “قدوة” في الحزن، ولا أن يوازن بين الآلام وفق معايير سياسية. لكن المطلوب هو التساوي الأخلاقي. فإذا كانت دمعة تذرف على قتيل هنا، فلماذا يجف النهر عندما يكون القتيل هناك؟ وإذا كان الموت على دراجة نارية يهز الوجدان، فلماذا يمر موت المئات تحت القصف بصمت؟
إن الإشكالية ليست في الحزن على روح قتلت، بل في الانتقائية التي تجعل من القيمة الإنسانية سلعة توزع حسب الجغرافيا أو الهوية. عندما يصبح البكاء على بعض الأموات “وطنيًا” والصمت على آخرين “واقعيًا”، فإننا لا نحمي مشاعرنا، بل نكشف عن ازدواجية معايير لا تليق بإنسانيتنا المشتركة.
أطفال سوريا لم يكونوا مجرد أرقام، كانوا يحلمون كغيرهم، كانوا يركضون كغيرهم، كانوا يستحقون أن يبكى عليهم كغيرهم. ولكن كثيرًا منا اختار أن يرى بعين واحدة، وأن يبكي على مسافة آمنة.
الخلاصة: إنسانيتنا الحقيقية لا تُقاس بقدرتنا على البكاء على من نحب، بل بقدرتنا على البكاء على من لا نعرف، وعلى من يختلف عنا، وعلى من لا يشبهنا. فإذا كنت تبكي اليوم على شاب قتل قرب والده، فهذا حقك الطبيعي. لكن لا تنس أن هناك أطفالًا في سوريا قتلوا قرب آبائهم أيضًا، وأن دماءهم ما زالت تنتظر من يبكيها بصدق.



