بين جاهة الأمس… وصمت اليوم!
بقلم: د. محمد بني سلامة
اعترفت أكثر من مرة أنني كنت قد اتخذت قرارًا شبه نهائي بالتوقف عن الكتابة في الشأن العام. ليس يأسًا من الوطن، وإنما تعبًا من مشهد يتكرر حتى أصبح مملًا؛ الوجوه ذاتها، والخطابات ذاتها، والتصفيق ذاته، بينما تتغير فقط أسماء الأشخاص.
لكن يبدو أن الشأن العام لا يسمح لك بالاعتزال، لأن بعض الأحداث لا تستحق التعليق فحسب، بل تستحق التوقف والتأمل.
ما أُعلن مؤخرًا بشأن استقالة وزير العمل، وما أثير في الرأي العام حول شبهة تضارب مصالح، لم يدفعني للكتابة عن الوزير، فالأشخاص يذهبون وتبقى الدولة، وإنما دفعني للكتابة عن ظاهرة أخطر بكثير من أي استقالة… ظاهرة النفاق السياسي والاجتماعي، وعلاقات المصالح التي تنهار في اللحظة التي يهتز فيها الكرسي.
قبل أيام فقط، كانت المدينة الرياضية في عمّان أشبه بمهرجان رسمي للدولة. أصحاب الدولة والمعالي والعطوفة والسعادة، وزراء ونواب وأعيان وسفراء ورؤساء أحزاب وكبار المسؤولين وشيوخ العشائر… الجميع حضر. كاميرات لا تتوقف، وابتسامات عريضة، وتسابق على الصف الأول، وكأن الاقتراب من معالي الوزير واجب وطني.
ثم… تغير المشهد في ساعات.
فجأة اختفى الجميع.
لا بيانات دعم… ولا كلمات وفاء… ولا حتى محاولة لشرح ما جرى أو انتظار ما ستقوله المؤسسات المختصة. الذين كانوا بالأمس يتسابقون إلى الصورة، أصبحوا اليوم يتسابقون إلى الاختفاء، وكأنهم لم يعرفوا الرجل يومًا.
وهنا تكمن المشكلة.
لسنا أمام قصة وزير، وإنما أمام ثقافة كاملة تربط الولاء بالمنصب، والاحترام بالنفوذ، والصداقة بالمصلحة. فإذا بقي الكرسي بقيت الجموع، وإذا اهتز الكرسي تبخرت الوجوه.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث للوزير؟ بل: ماذا حدث لمن كانوا يحيطون به بالأمس؟
من الذي تغير؟ الشخص… أم المصالح؟
إن الدولة القوية لا تبنى بالمصفقين، ولا بمجالس المجاملات، ولا بطوابير الباحثين عن الصور التذكارية، وإنما تبنى برجال يبقون على الموقف نفسه قبل المنصب وبعده، ومع القوة كما مع الشدة.
لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس حضورًا حولك ليسوا بالضرورة أكثرهم وفاءً، وأن التصفيق لا يصنع رجال دولة، كما أن الصمت المفاجئ قد يكون أبلغ من آلاف الكلمات.
وأخيرًا… هذا المقال ليس دفاعًا عن أحد، ولا إدانة لأحد، فذلك شأن المؤسسات والقانون، وإنما هو دعوة لمراجعة ثقافة أصبحت تتكرر في حياتنا العامة؛ ثقافة الاقتراب من السلطة، لا من أصحاب المبادئ.
ويبقى السؤال الذي أتركه للإعلام، وللنخب، وللرأي العام: بين مشهد الأمس وصمت اليوم… ماذا حدث؟
أما أنا… فلا أملك إلا أن أقول:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
هذا المحتوى بين جاهة الأمس… وصمت اليوم! ظهر أولاً في سواليف.



