بين ضغوط واشنطن وإكراهات الجغرافيا الأوروبية.. هل يعيد كير ستارمر بريطانيا إلى حضن الاتحاد الأوروبي؟
تتجه الحكومة البريطانية إلى إعلان تشريع جديد خلال الأسابيع المقبلة يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولات عميقة في تموقع المملكة المتحدة داخل المشهد الدولي، خاصة في ظل التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة على خلفية الحرب في الشرق الأوسط.
ويقود رئيس الوزراء كير ستارمر هذا التوجه مدفوعاً بسياق دولي مضطرب، يتسم بتراجع القدرة على التنبؤ بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صعّد من لهجته تجاه لندن، مهدداً بإعادة النظر في التفاهمات التجارية بين البلدين، في وقت تحاول فيه بريطانيا إعادة تعريف موقعها بعد سنوات من الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على إعداد مشروع قانون “إعادة الضبط”، الذي يمنحها صلاحيات لتكييف المعايير البريطانية مع قواعد السوق الأوروبية بشكل ديناميكي، فيما يُعرف بـ”المواءمة النشطة”، وهو ما يمثل تحولاً عملياً عن منطق القطيعة الذي طبع مرحلة ما بعد بريكست.
ومن المرتقب أن يعلن الملك تشارلز الثالث عن هذا التوجه رسمياً في خطاب تشريعي منتصف مايو، إيذاناً بمرحلة جديدة في العلاقة مع القارة.
ويكتسب هذا المسار زخماً إضافياً بفعل التداعيات الاقتصادية للحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا قد تكون من أكثر الاقتصادات المتقدمة تضرراً من هذه التطورات، ما يدفع الحكومة إلى البحث عن عمق اقتصادي بديل داخل أوروبا.
وفي سياق متصل، رفض ستارمر الانخراط المباشر في الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، مكتفياً بتقديم دعم دفاعي محدود، وهو موقف أثار استياء دونالد ترامب، لكنه في المقابل عزز صورته داخلياً كزعيم يحاول الحفاظ على استقلالية القرار البريطاني.
كما تأتي هذه التحركات في ظل ضغوط داخلية متزايدة، سواء بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة أو الجدل السياسي المرتبط ببعض التعيينات الدبلوماسية، ما يجعل خيار التقارب مع أوروبا ليس فقط رهانا استراتيجياً، بل أيضاً استجابة لحسابات داخلية.
ورغم أن الحكومة تستبعد العودة الكاملة إلى السوق الموحدة أو حرية التنقل، فإنها تسعى إلى توسيع مجالات التعاون، خاصة في قطاعات التجارة والطاقة، مع خطط لدمج بريطانيا في سوق الكهرباء الأوروبية وتخفيف القيود على الصادرات الغذائية، إلى جانب مفاوضات حول تنقل الشباب بين الطرفين.
غير أن هذا التوجه لا يخلو من معارضة، إذ يراه التيار اليميني، بقيادة نايجل فاراج، تراجعاً عن إرادة الناخبين التي عبّر عنها استفتاء 2016، في حين تدعو أطراف أخرى إلى الذهاب أبعد من ذلك نحو اتحاد جمركي كامل مع بروكسل.
تبدو بريطانيا اليوم أمام مفارقة استراتيجية: فكلما تآكلت “العلاقة الخاصة” مع واشنطن، ازداد الإغراء بالعودة التدريجية إلى الفضاء الأوروبي، ليس بدافع الحنين السياسي، بل تحت ضغط الوقائع الاقتصادية وتحولات ميزان القوى الدولي، في لحظة تعيد فيها لندن التفكير في موقعها بين ضفتي الأطلسي.
The post بين ضغوط واشنطن وإكراهات الجغرافيا الأوروبية.. هل يعيد كير ستارمر بريطانيا إلى حضن الاتحاد الأوروبي؟ appeared first on أنباء إكسبريس.




