... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
193177 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8615 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

بين بشير الجميل ورئاسة الحكومة: من يحمل عبء اللحظة إذا ارتفع التفاوض إلى مستوى القادة؟

سياسة
jo24
2026/04/16 - 09:58 501 مشاهدة

 
كتب- زياد فرحان المجالي

في لبنان، لا تصل الأخبار الكبيرة وحدها. تصل ومعها طبقات من الذاكرة، ووجوه من الماضي، وأسئلة لا تموت بمجرد تبدل الأسماء. لذلك لم يكن ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان انتقال المسار اللبناني–الإسرائيلي إلى مستوى القادة مجرد تطور دبلوماسي لافت، بل وقع في الوعي اللبناني كصدمة سياسية وتاريخية في آن. فلبنان لا يقرأ مثل هذه الإشارات من ظاهرها فقط، بل من عمقها: من التاريخ، ومن الحرب، ومن الميثاق، ومن السؤال الدائم عن الجهة التي ستُحمَّل معنى اللحظة وثمنها إذا تحولت من حدث عابر إلى فصل جديد في ذاكرة البلد.

من هنا لم يكن السؤال الأول: هل سيحصل اللقاء؟ بل: من سيمثل لبنان إذا حصل؟ وهذا السؤال، في بلد مثل لبنان، ليس بروتوكوليًا ولا إداريًا. إنه سؤال من الدرجة الأولى، لأن من يجلس إلى الطاولة هنا لا يمثل مؤسسة فقط، بل يحمل رمزية موقع، وذاكرة طائفة، وثقل مرحلة، واحتمال أن يلتصق اسمه بلحظة قد لا تبقى سياسية فقط، بل تصير لاحقًا جزءًا من السردية اللبنانية نفسها.

لهذا يعود التاريخ فورًا إلى الواجهة. لا يعود كحنين ولا كاستدعاء بلاغي، بل كتحذير. فقد عرف لبنان في مطلع الثمانينيات ما معنى أن تتقدم الحرب على السياسة، ثم تُدفع السياسة إلى محاولة التقاط ثمار الحرب في صورة تسوية كبرى. وعرف أيضًا أن الأسماء التي ارتبطت بتلك اللحظة لم تبقَ أسماء في أرشيف الأخبار، بل تحولت إلى رموز كثيفة يُقرأ من خلالها زمن كامل. ومن بين هذه الأسماء يبقى اسم بشير الجميل حاضرًا، لا لأن الزمن يعيد إنتاجه حرفيًا، بل لأن مجرد الاقتراب من سؤال التسوية مع إسرائيل في لبنان يوقظ فورًا ذاكرة الرئاسة، والرهان الخارجي، والاختراق الكبير، والثمن الكبير أيضًا.

لم يكن بشير الجميل في الذاكرة اللبنانية مجرد رئيس منتخب اغتيل قبل أن يحكم. لقد صار، بمرور الوقت، رمزًا للحظة حاول فيها الخارج أن يعيد تشكيل لبنان من أعلى، عبر الحرب أولًا ثم عبر السياسة. ولهذا فإن اسمه لا يعود كلما ارتفع السقف السياسي في لبنان بوصفه واقعة ماضية، بل بوصفه مرآة يسأل اللبنانيون عبرها أنفسهم: من يحمل اليوم الصورة التي حملها غيره بالأمس؟ ومن يدفع الثمن إذا تحولت لحظة التفاوض من محاولة للإنقاذ إلى جرح جديد في الذاكرة؟

هنا تحديدًا يكتسب سؤال التمثيل خطورته الكاملة. فإذا كان المقصود باللقاء على مستوى القادة رئيسَ الجمهورية، فإن الحدث سيُقرأ فورًا في ضوء رمزية الرئاسة وموقعها التاريخي، بما يحمله ذلك من ظلال الثمانينيات. أما إذا كان المقصود رئيسَ الحكومة، فإننا ننتقل إلى طبقة أخرى من الحساسية، وربما إلى أخطرها: هل يُراد أن يتحمل الموقع السني الأول في الدولة عبء هذه اللحظة؟ هل يُدفع السنة في لبنان، عبر رئاسة الحكومة، إلى حمل صورة هذا التحول إذا وقع؟ وهل يصبح رئيس الحكومة، في هذه اللحظة بالذات، ليس فقط ممثلًا للسلطة التنفيذية، بل حاملًا لرمزية الانعطاف الأخطر في المسار اللبناني منذ عقود؟

هذا هو السؤال الذي يمنح المسألة ثقلها الحقيقي. لأن القضية لم تعد تتعلق بمن يملك الصلاحية الدستورية فقط، بل بمن يملك القدرة على حمل العبء الرمزي. من الذي سيُقال عنه إنه فتح الباب؟ من الذي سيُتَّهم بأنه منح الشرعية للصورة؟ من الذي سيجد نفسه، بعد سنوات، حاملًا كلفة الذاكرة إذا استقر هذا الحدث في الوعي اللبناني بوصفه لحظة فاصلة؟

في الدول المستقرة، قد يجلس رئيس حكومة إلى طاولة ثم يقوم منها، وتبقى المسألة ضمن حدودها السياسية المباشرة. أما في لبنان، فالأمر مختلف. من يجلس إلى طاولة بهذا المستوى لا يوقع على بيان فقط، بل يوقع، ولو معنويًا، على وجه المرحلة. وهنا لا يعود اسم الموقع مجرد منصب، بل يدخل فورًا في بنية التأويل الطائفي والميثاقي والتاريخي. ولهذا فإن أي انتقال محتمل إلى مستوى رئيس الحكومة لا يُقرأ فقط على أنه رفع للسقف الدبلوماسي، بل على أنه نقل لجزء من العبء التاريخي إلى الموقع السني الأول في الدولة.

وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد حدث سياسي. إنها، في عمقها، إعادة طرح لسؤال لبناني قديم: من يدفع الثمن حين تتقاطع الحرب مع التسوية؟ في الثمانينيات، ارتبطت صورة التسوية والرئاسة والمسيحيين والرهانات الإقليمية بعضها ببعض. أما اليوم، فإذا انتقل العبء إلى رئاسة الحكومة، فإن البلد يدخل إلى سؤال جديد: هل يُعاد توزيع الأثمان داخل النظام؟ هل يُطلب من موقع سني هذه المرة أن يحمل صورة التحول وما يرافقها من انقسام واتهام وندوب؟ وهل يمكن للموقع السني أن يدخل هذا المشهد من دون أن يصبح هو نفسه جزءًا من الصراع على معنى الحدث وروايته وشرعيته؟

هذه الأسئلة لا تأتي في فراغ. فهي تُطرح فيما الجنوب ما يزال تحت النار، وإسرائيل ما تزال تفاوض من موقع القوة، وحزب الله يرفض أصلًا أي نتائج لمسار مباشر من هذا النوع، والولايات المتحدة لا تُقرأ في الوعي اللبناني وسيطًا محايدًا، بل راعية لمسار يعتقد كثيرون أنه مصمم أولًا لخدمة أمن إسرائيل وإعادة ترتيب لبنان بما ينسجم مع تلك الأولوية. ولهذا فإن الخطورة لا تكمن فقط في شكل اللقاء، بل في توقيته: قبل أن تتوقف الحرب، قبل أن تُحسم شروط وقف النار، قبل أن يهدأ الداخل، وقبل أن يمتلك البلد القدرة الفعلية على حمل صورة بهذا الحجم.

والأخطر أن إسرائيل نفسها لا تبدو معنية بوقف نار بسيط يعيد الأمور إلى ما كانت عليه. هي تريد أكثر من التهدئة. تريد جنوبًا منزوع المعنى العسكري، ودولة لبنانية تتحمل عبء مواجهة حزب الله، ومسارًا سياسيًا يمكن أن يُبنى عليه لاحقًا لإعادة تعريف موقع لبنان في الإقليم. وهذا يعني أن من يجلس من الجانب اللبناني لن يواجه فقط تفاوضًا على وقف النار، بل قد يجد نفسه، سياسيًا ومعنويًا، في قلب مشروع أكبر من مجرد الهدنة.

هنا يتضاعف ثقل التاريخ، لأن لبنان بلد لا تنجو فيه السياسة من الذاكرة. وكل لحظة كبرى فيه تُقاس، شاء أصحابها أم أبوا، بما يشبهها أو بما تحذر منه في الماضي. ولذلك فإن استدعاء بشير الجميل هنا ليس رغبة في صناعة مقارنة سهلة، بل إشارة إلى أن لبنان لا يدخل مثل هذه اللحظات بريئًا من تاريخه. هو يدخلها محمّلًا بذكريات الذين حملوا الصور قبله، وبسؤال من نجا ومن احترق، ومن بقي اسمه ملتصقًا بلحظة لم تعد ملكه وحده، بل صارت ملكًا للذاكرة العامة.

ولهذا فإن أخطر ما في تغريدة ترامب ليس فقط أنها رفعت السقف السياسي للمسار اللبناني، بل أنها فجّرت دفعة واحدة أعمق سؤال لبناني ممكن: إذا ارتفع التفاوض إلى مستوى القادة، فمن الذي سيحمل صورته؟ ومن الذي سيُترك بعد ذلك ليواجه وحده كلفة الذاكرة؟

لبنان اليوم لا يقف فقط بين الهدنة والحرب، بل بين التاريخ والتكرار، بين الخوف من إعادة إنتاج لحظة قديمة بوجوه جديدة، وبين إدراك أن من يجلس إلى الطاولة لا يمثل دولة فقط، بل قد يتحول إلى رمز مرحلة، وإلى حامل ندبتها إن فشلت، أو حامل جرحها إن بقيت.

لهذا، فإن المسألة لم تعد في ما إذا كان الاتصال سيجري أو لا، بل في ما إذا كان لبنان مستعدًا أصلًا لتحمل صورة كهذه، ومن سيتحملها إذا فُرضت عليه. لأن من يجلس باسم لبنان في لحظة كهذه لا يحمل فقط ورقة التفاوض، بل يحمل أيضًا ثقل التاريخ، وأحكام الذاكرة، واحتمال أن يُكتب اسمه في مكان لا يعود يملك هو نفسه السيطرة الكاملة على تفسيره.

لبنان لا يسأل فقط: هل سيكون هناك لقاء مع إسرائيل؟
بل يسأل: من سيدفع الثمن إذا حصل؟
حين كتب ترامب عن لقاء على مستوى القادة بين لبنان وإسرائيل، لم يكن الخبر عاديًا.
في بلد مثل لبنان، المسألة ليست بروتوكولًا، بل تاريخ وميثاق وذاكرة.
السؤال ليس فقط:
هل سيمثل لبنان رئيس الجمهورية أم رئيس الحكومة؟
السؤال الأخطر هو:
من الذي سيُحمَّل رمزية هذه اللحظة؟
ومن الذي سيدفع ثمنها إذا تحولت من صورة سياسية إلى جرح جديد في الذاكرة اللبنانية؟

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤