بين التعثر والانفراج: مفاوضات واشنطن وطهران في ميزان القوة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
جرت جولة المفاوضات الأولى بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، حيث لم تعد الصراعات محصورة في حدودها التقليدية، بل باتت متشابكة على نحو يجعل أي تفاوض ثنائي ظاهري يحمل في طياته أبعادا متعددة الأطراف. فهذه الجولة لم تكن مجرد لقاء سياسي بين خصمين تاريخيين، بل كانت انعكاسا لتوازنات قوى متحركة في المنطقة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي، وتتشابك فيها الملفات النووية مع حسابات الميدان. ومن هنا، فإن فهم هذه المفاوضات لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي جاءت فيه، حيث التصعيد العسكري غير المباشر، والتوتر في الممرات البحرية، والقلق الدولي من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة.لقد دخلت الولايات المتحدة هذه الجولة وهي تسعى إلى تحقيق اختراق محدود، لا يرقى إلى مستوى اتفاق شامل، بقدر ما يهدف إلى إدارة الأزمة ومنع انفجارها. فقد بدا واضحا أن واشنطن لم تعد تراهن على إعادة إحياء الاتفاق النووي بصيغته السابقة، بقدر ما تحاول فرض إطار جديد يضمن الحد الأدنى من الضبط، خصوصا في ما يتعلق بتقييد البرنامج النووي الإيراني وتأمين الملاحة في الخليج. وهذا يعكس تحوّلا في المقاربة الأمريكية، من السعي إلى تسوية نهائية إلى إدارة مستدامة للتوتر، وهو تحول تفرضه معطيات الواقع، حيث لم تعد أدوات الضغط التقليدية كافية لفرض شروط كاملة على طهران.في المقابل، دخلت إيران المفاوضات وهي في موقع تفاوضي أكثر صلابة مما كانت عليه في جولات سابقة. فقد استطاعت، عبر شبكة من التحالفات الإقليمية وأدوات النفوذ غير المباشر، أن تعزز قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث، سواء عبر الضغط على خطوط الطاقة أو عبر حضورها في ساحات متعددة. هذا التحول منحها هامشا أوسع للمناورة، وجعلها أقل استعدادا لتقديم تنازلات مجانية، خصوصا في ظل قناعة متزايدة لديها بأن الوقت يعمل لصالحها، وأن الضغوط التي تمارس عليها يمكن امتصاصها أو الالتفاف عليها.هذا التباين في مواقف الطرفين انعكس بوضوح في مسار المفاوضات، التي استمرت لساعات طويلة دون أن تفضي إلى اتفاق. فالقضية الأساسية التي شكلت محور الخلاف كانت مسألة العقوبات، حيث أصرت إيران على ربط أي التزام جديد برفع ملموس وفوري لهذه العقوبات، معتبرة أن التجارب السابقة أظهرت عدم جدية الجانب الأمريكي في الوفاء بالتزاماته. في المقابل، حاولت الولايات المتحدة فرض شروط...





