بين الوهم والحقيقة… إعلام ادّعى أنه إعلام
محمد خراط*
بطولات وهمية، انتصارات متخيلة، جيوش لا تقهر، وقدرات خارقة، وتحرير قادم، ومقبرة للعدو حُفرت مسبقاً، هكذا يروّج إعلام يدّعي المهنية، بينما لا يفعل سوى صناعة الأوهام وبثها في عقول الناس.
وللأسف، لم يعد هذا الخطاب حكراً على منصات إعلامية بعينها، بل بات يتردد على ألسنة كثير من شبابنا العربي، من دون إدراك أن ما يقال لهم ليس حقيقة، بل رواية مصنوعة تخدم من يكتبها ويمليها ويوجّهها. شباب ابتعد عن الواقعية، وفقد القدرة على التمييز بين ما يجري فعلاً على الأرض، وبين ما يُراد له أن يصدقه تحت تأثير التعبئة والشعارات.
إعلام زرع الوهم، حتى أصبح يتداول في المجالس، ويتكرر في البيوت، ويعاد نشره على صفحات التواصل، من دون أن يترك مساحة للنقاش أو للتفكير النقدي.
أوهموهم أن الصوت العالي يساوي قوة، بينما القوة تقاس بالنتائج لا بالضجيج.
أوهموهم أن الخطاب الناري ردع، بينما الردع يُبنى بالقدرات.
أوهموهم أن الأولوية فلسطين، بينما الأولوية كانت النفوذ والتوسّع.
أوهموهم بانتصار "حماس" وغزة، بينما الواقع يتحدث عن عشرات الألوف من الشهداء، وعن مجتمع دُمّرت فيه كل مقوّمات الحياة.
أوهموهم بأن طريق "حزب الله" واحد باتجاه القدس، بينما الحقيقة أن الحزب سلك كل الطرق إلا طريق القدس.
أوهموهم بتدمير إسرائيل، فإذا بالدمار يبتلع غزة ولبنان.
أوهموهم بقدرتهم على الحماية، فكانت النتيجة أكثر من مليون نازح بلا مأوى.
أوهموهم بسقوط الخصم، بينما الذين سقطوا هم قادة المشروع نفسه، سقط نصرالله والسنوار وخامنئي.
وللأسف، أوهموهم أيضاً بأن العرب جسد واحد، وصف واحد، وجيوش واحدة، بينما الواقع يثبت أن من يقف في المواجهة ويدافع عن الاستقرار ويواجه التهديدات بوضوح وصلابة هو الخليج، في ظل غياب عربي مؤثر يوازي حجم الأخطار.
وأوهموهم بأن الإمارات ستنهار وتدمّر، بينما الواقع يكتب قصة مختلفة تماماً: صمود، قدرة ردع، رؤية تنموية، واقتصاد يرسّخ حضوره بثبات وسيكتب عنه التاريخ.
الوهم الأكبر كان الادعاء بأن إيران وأذرعها تحمل همّ القضية الفلسطينية وتعمل لتحرير فلسطين، بينما الحقيقة أن المواجهة طالت، والدمار اتسع، ولم تُفتح جبهة حقيقية تغير المعادلة، ولم تترجم الشعارات إلى فعل يوازي حجم الخطاب.
والوهم نفسه أطلق على ما سمي ”جبهة الإسناد” من الجنوب اللبناني، التي تبين أنها لم تكن سوى تحركات محدودة لا تغير مساراً ولا تحسم مواجهة، بل تحفظ الحد الأدنى من الصورة والشعار.
والوهم كذلك هو الادعاء بأن إيران تحمي الإسلام، بينما الحقيقة أن السلاح الإيراني وجه مراراً إلى صدور الدول العربية والإسلامية، وإلى استقرارها، وإلى شعوبها، أكثر مما وجه إلى أعدائها المعلنين.
لقد أوهموهم، ثم صدقوا الوهم.
ابتعدوا عن الواقع، وعاشوا داخل رواية مصنوعة بعناية، يمررها إعلام تعبوي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن التأثير، ولا يصنع وعياً، بل يعمّق الانقسام ويغذي العقول بالشعارات بدل الحقائق.
فالحقيقة لا تبنى على الهتاف، ولا تقاس بالشعارات، ولا تصنع في الاستوديوهات. الحقيقة ترى على الأرض، وما على الأرض يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
هذا ليس إعلاماً، هذه ماكينة أوهام. ماكينة تنتج بطولات من ورق، وانتصارات صوتية، وجيوشاً لا تُقهر على الشاشات فقط. ماكينة تخدر العقول بالشعارات، وتستبدل الواقع بالهتاف، وتقنع جمهورها بأن الهزيمة “مرحلة تكتيكية”، وأن الدمار “ثمن النصر”.
ما يباع اليوم على أنه “نصر”، هو في كثير من الأحيان إدارة للهزيمة. وما يسوّق كـ“وعي”، هو إعادة تدوير للوهم.
*كاتب وناقد





