بين المصداقية والتضليل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
من يمارس النقد الموضوعي يستند على حقائق وبيانات وخبرة تمكنه من التعمق في الموضوع المطروح للتقييم أو المشكلة التي تحتاج إلى حل.. الناقد في أي مجال، المتسلح بالموضوعية، سيكون قادراً على تحديد الأهداف المراد الوصول إليها، سيكتب بعمق، ويتحدث بثقة، سيركز على الأداء وليس الأشخاص، سيبرز الإيجابيات ويحدد السلبيات، سيقترح الحلول استناداً على تقييم موضوعي وطرح علمي وليس على قوة صوتية أو قوة إنشائية، لن يغير الحقائق، سيكسب ثقة المتلقي، ويوصف بصفة المصداقية وهي ركن أساسي في إعداد الدراسات والبحوث والتقارير الإعلامية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وسوف يتراجع ويعتذر إذا نشر معلومات خاطئة أو وقع في خطأ علمي. الذي يمارس التضليل يستخدم وسيلة نشر الأكاذيب، ويصر عليها بالتكرار، معتقداً أن هذا الأسلوب يحولها إلى حقائق، لكن هذا التضليل لا يقنع المتلقي إلا في قلوب تروق لها هذه الأكاذيب أو عقول تفتقد للثقافة والوعي. هناك من يعتقد أن من صفات المثقف الالتزام بالنقد الموضوعي والتحليل العلمي وقبول الرأي الآخر، وهذا تعميم لا يتفق مع الواقع، فقد يصل المثقف إلى مرحلة متقدمة من النرجسية، فيصبح جهاز تخزين آراء غير قابلة للنقاش. في القضايا السياسية على سبيل المثال، تنظم المؤسسات الإعلامية الحوارات حول هذه القضايا، فتكون المفاجأة أن بعض المشاركين في هذا الحوار منفصلين عن الواقع ومبرمجين على نشر الأكاذيب بطريقة تقنع المتلقي بأنها حقائق.. تتسم هذه الطريقة بتصنع الثقة من خلال الحماس والتهويل والإشارة إلى جزء من الحقيقة كطعم للمتلقي ليكن صيداً سهلاً. المحاور السلبي يستخدم التضليل بطريقة خادعة، تبدأ بمقدمة إيجابية، يتبعها قصف فكري، وتشويه ومعلومات مخترعة يوهمون المتلقي بأنها من مصادر موثوقة. الهدف هو إحداث انقسام اجتماعي أو فكري أو سياسي يضر بوحدة الأوطان ويعرقل مسيرتها التنموية، في الغالب يعتمد هؤلاء المضللون الذين يشوهون سمعة الأوطان ويمارسون الشيطنة على فكر مسبق جاهز صنعته وسائل إعلامية مبدعة في الكذب والتضليل، هؤلاء لم يسبق لهم زيارة الدول التي يتحدثون عنها، لم يقرؤوا كتباً عنها، لم يبحثوا، لا يريدون معرفة الحقائق لأنهم يخترعون حقائقهم الخاصة، وقد يوصف هؤلاء بأوصاف علمية لا تتفق مع الطرح السطحي. من يمارس التضليل لا يجهل الحقائق، لكنه يتجاهلها لأهداف خفية يكشفها التناقض الذي تفرضه الأحداث المتغيرة، غالباً يحدث هذا التضليل خلال الأزمات السياسية أو الكوارث الطبيعية. الطوفان التقني الذي اجتاح العالم حتى وصل إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي وجد فيه المضللون وسيلة للكذب وسلاحاً ناعماً أقوى من الأسلحة العسكرية، وأداة لحرب نفسية تتفوق على وسائل الإعلان التقليدية، يقف من يبحث عن المصداقية حائراً أمام هذا الطوفان لا يدري هل يضع علامة تعجب أم علامة استفهام. التضليل سواء في المجال الإعلامي أو الفكري يسهم بشكل سلبي على الرأي العام، ويشكل خطراً على أمن المجتمعات لمصلحة فئات ذات أهداف خفية تندس في المجتمعات السياسية والثقافية والعلمية والإعلامية لتغليف التضليل بغلاف الحقائق. وعي المتلقي كفيل بكشف التضليل في زمن تراجعت فيه قوة الخطابات والشعارات أمام قوة العمل والحقائق والإنجازات.





