🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
402714 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3413 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

بين الملحمة الغربية والمرحمة العربية

العالم
إيلاف
2026/05/22 - 01:55 505 مشاهدة
ليلى أمين السيف من المثير للسخرية فعلا أن يُطل علينا أحفاد الإمبراطوريات الحديثة ببدلاتهم الأنيقة وخطاباتهم الإنسانية اللامعة ليشرحوا لنا بكل ثقة أن المسلمين كانوا محتلين. يا سلام.. فجأة أصبح التاريخ يبدأ من عند المسلمين فقط وكأن العالم قبلهم كان جمعية نباتية للسلام والتأمل الروحي. قبل الفتوحات الإسلامية ماذا كانت تفعل الإمبراطوريات الكبرى؟ هل كان الرومان يوزعون الورود؟ هل كان الفرس يقيمون دورات للتسامح والتنمية البشرية؟ العالم كله وقتها كان قائما على التوسع، النفوذ، السيطرة وإسقاط القوى المتنافسة. هذا هو شكل النظام الدولي القديم شئنا أم أبينا. لكن حين يصل الدور إلى المسلمين يتغير القاموس فجأة. تصبح كل معركة احتلالا وكل توسع غزوا همجيا وكأن أوروبا نفسها لم تستيقظ إلا على أصوات التراتيل والحمام الأبيض. حسنا لنفترض جدلا أن الفتوحات الإسلامية كانت احتلالا. ممتاز. الآن دعونا نفتح دفتر المقارنات الحقيقي لا دفتر الانتقائية الأخلاقية. حين دخل النبي العربي محمد مكة غالبا لا مغلوبا بعد سنوات من الاضطهاد والحروب والطرد لم يدخلها بعقلية المنتقم الذي جاء ليُشبع ثأره بل أعلن الأمان حتى لخصومه وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» وحين صاح بعضهم: «اليوم يوم الملحمة» جاء الرد الذي يختصر الفرق بين فتحٍ أراد هداية الناس واحتلال أراد إذلالهم: «بل اليوم يوم المرحمة» الرجل الذي امتلك لحظة القوة الكاملة لم يحوّل انتصاره إلى مذبحة ولم يجعل من فتح المدينة موسما للانتقام الجماعي بل جعل أول قراراته الأمان والرحمة. ثم بعد ذلك يأتي من يختزل تاريخا كاملا في كلمة احتلال بينما تمتلئ ذاكرة العالم باحتلالات لم تكتفِ بإخضاع المدن بل محت الشعوب نفسها من الوجود. وأيّ احتلال ذاك الذي دخل مدنا وشعوبها ما زالت باقية فيها حتى اليوم بأسمائها وكنائسها وذاكرتها؟ فحين دخل المسلمون بلاد الشام ومصر والعراق أين ذهبت شعوب تلك البلاد؟ هل أُبيدت؟ هل مُسحت لغاتها بالكامل خلال سنوات؟ هل تحولت الأرض إلى نسخة عرقية جديدة مستوردة بالكامل؟ هل انتهى وجود المسيحيين واليهود والكنائس والأديرة؟ التاريخ يجيب بوضوح مزعج جدا للبعض: لا فقد بقيت شعوب البلاد في أرضها وبقيت هويات كثيرة قرونا طويلة ودخل الناس الإسلام تدريجيا عبر الزمن لا عبر ماكينة إبادة جماعية. ويكفينا تأمل العهدة العمرية لفهم الفارق بين فتحٍ أراد إخضاع الأرض واحتلال أراد اقتلاع الإنسان نفسه. فحين دخل عمر بن الخطاب القدس لم يكتب وثيقة تَعِد بحماية كنائس الناس وأرواحهم فقط بل رفض حتى أن يصلي داخل كنيسة القيامة خوفا من أن يأتي المسلمون بعده فيتخذوا صلاته ذريعة للاستيلاء عليها. أي عقلية هذه التي تفتح مدينة ثم تخشى على مقدسات أهلها من أتباعها أنفسهم؟ وبينما كانت أمم لاحقة تدخل البلاد فتمحو أسماء أهلها ولغاتهم ووجودهم بالكامل بقيت كنائس القدس شاهدة على لحظة نادرة في التاريخ: حين كان المنتصر يخشى أن يظلم لا أن يبحث عن ذرائع إضافية للهيمنة. أما إذا أردنا مشاهدة الاحتلال بنسخته الديلوكس فلنذهب إلى الولايات المتحدة وأستراليا أين السكان الأصليون؟ أين الأمم التي كانت تعيش هناك قبل الرجل الأبيض؟ أين لغاتهم؟ أين حضاراتهم؟ بعضهم حُشر في محميات وبعضهم أُبيد وبعضهم تحول إلى فقرة حزينة في متحف يزوره الأطفال في الرحلات المدرسية ثم يشترون المثلجات في طريق العودة. هذا ليس فتحا، هذا اقتلاع قارة من جذورها. لكن لا بأس الإعلام الحديث يملك قدرة سحرية على إعادة تسمية الأشياء. فالاستعمار يصبح اكتشافا والإبادة تصبح توسعا حضاريا ونهب الثروات يصبح نشرا للديمقراطية. هلم بنا نفتح الصفحة التالية من الحضارة الحديثة. الاستعمار الفرنسي للجزائر. بلد كامل تحوّل إلى مذبحـة مفتوحة لأكثر من قرن. مجازر، تهجير، تجويع، محو هوية وسرقة أرض باسم تمدين الشعوب المتخلفة حتى اللغة أرادوا اقتلاعها من أفواه الناس اقتلاعا. الاستعمار الإيطالي لليبيا؟ معسكرات اعتقال، إعدامات جماعية ومشانق تُعلّق عليها المقاومة بينما أوروبا تتغنى بالفن والأوبرا. أما الإمبراطورية البريطانية تلك التي لا تغيب عنها الشمس فيبدو أن الشمس كانت تخجل أصلا من رؤية ما يحدث تحتها. من الهند إلى إفريقيا إلى الشرق الأوسط نهب منظم للثروات، تقسيم للشعوب وصناعة حدود كأنها خطوط رُسمت بقلم سكير على طاولة قمار. ثم يأتونك اليوم ليسألوك ببراءة أكاديمية :»لماذا أنتم حسّاسون تجاه الغرب؟» ربما لأن بعض الجراح لا تزال تنزف حتى الآن. خذ غزو العراق 2003 مثلا: دخلوا بحثا عن أسلحة الدمار الشامل ثم اكتشف العالم لاحقا أن الدمار كان هو السلاح الوحيد الموجود فعلا. دولة حُطّمت، مجتمع فُكك، ملايين بين قتيل ومهجّر وأرملة ويتيم ثم بكل بساطة أُغلق الملف سياسيا وكأن أرواح البشر مجرد خطأ مطبعي في تقرير استخباراتي وبعد سنوات خرج علينا توني بلير ليقدّم اعتذارا متأخرا لا يعيد مدينة ولا يحيي قتيلا ولا يرمم وطنا؛ مجرد جملة سياسية تُقال بعد أن يبرد كل شيء وكأن التاريخ يُغلق بالأسف بدل أن يُحاسَب بالفعل. وعند مقارنة غزو العراق 2003 بـالهولوكوست يتكشف تفاوت قاس في ذاكرة العالم فواحدة تُستحضر كجرحٍ أخلاقي دائم ومركز للخطاب الدولي وأخرى تُختزل ككارثة سياسية انتهت بالأسف لا بالمحاسبة وكأن قيمة الألم تُقاس بموقعه لا بحجمه. أما الحرب في أفغانستان، عشرون عاما من القصف والموت والاحتلال تحت شعار بناء الديمقراطية ثم انسحاب مرتبك ترك البلاد غارقة في الخراب نفسه الذي جاءوا لإنقاذها منه. وأما فلسطين فهذه قصة أخرى لا يحب العالم أن ينظر إليها طويلا في المرآة. شعب يُهجّر منذ عقود، أرض تُبتلع قطعة قطعة، بيوت تُهدم، وأطفال يُقتلون أمام الكاميرات ثم يخرج علينا خبراء الإنسانية ليشرحوا لنا حق الدفاع عن النفس. يبدو أن بعض البشر يولدون بحقوق كاملة وبعضهم يحتاج أولا إلى موافقة القوى الكبرى ليُعترف بإنسانيته. ولأن الاحتلال الحديث لم يعد بحاجة دائما إلى إعلان رسمي أو جندي يرفع علمه فوق القصر الجمهوري أصبح يمكن ابتلاع دولة كاملة وسط صمت العالم واختطاف قرارها ورئيسها وخنق شعبها اقتصاديا بينما تقف المؤسسات الدولية تتفرج ببرود بيروقراطي كأن شيئا لا يحدث. وفنزويلا خير مثال فحين لا تعجب دولة ما العم سام سياسيا تبدأ رحلة تهذيب الشعوب: عقوبات، خنق اقتصادي، وتجويع ناعم حتى يتعلم الناس «الاختيار الصحيح» بحسب دليل الديمقراطية المعتمد في واشنطن. ثم يخرج دونالد ترامب متبجحا ليقول إنه يفكر جديا في جعل فنزويلا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين وينشر خريطة البلد مغطاة بالعلم الأمريكي وكأن الحديث ليس عن دولة ذات سيادة بل عن قطعة أرض معروضة للبيع في مزاد نفطي. ولأن الاحتلال تطوّر مع الزمن فلم يعد يحتاج دائما إلى دبابة وجندي فهو أحيانا يأتيك بربطة عنق عبر بنك دولي أو عقوبات اقتصادية أو حصار مالي يخنق الشعوب ببطء ثم يبتسم للعالم باسم القانون الدولي. الاحتلال الحديث لا يرفع دائما علما فوق القصر الجمهوري. أحيانا يرفع سعر الخبز فقط بل حتى القرصنة أصبحت أكثر أناقة. في الماضي كان القراصنة يأتون بسفن ومدافع وعصابة على العين. اليوم يأتون بشركات متعددة الجنسيات واتفاقيات احتكار وسيطرة على التكنولوجيا والغذاء والدواء والإعلام ثم يسمون ذلك السوق الحرة. العالم القديم كان يحتل الأرض أما العالم الحديث فأصبح يحتل الرواية نفسها. يحتل عقلك، لغتك، ذوقك، وطريقتك في رؤية نفسك. يجعلك تشك بتاريخك وتعتذر عن هويتك بينما يقدّم تاريخه الدموي على أنه مسيرة تطور إنساني رائعة تعثّرت أحيانا ببضعة ملايين من الجثث لا أكثر. المشكلة ليست في دراسة التاريخ بل في احتكار روايته. فالقوي لا يكتفي بكتابة الحاضر بل يريد أيضا إعادة تحرير الماضي بحيث يظهر دائما في دور المُنقذ حتى لو كانت يداه تقطران بتاريخ كامل من الاستعمار والعبودية. لذلك حين تسمع أحدهم يتحدث بثقة متعالية عن «احتلال المسلمين» لا تُتعب نفسك في سرد التاريخ الإسلامي ولا في تصحيح البديهيات فقط اسأله بهدوء بارد: «من الذي ما زال يحتل العالم حتى اليوم لكن بوسائل أكثر أناقة وأكثر دموية؟» ** ** - كاتبة يمنية مقيمة في السويد
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤