بين الاستجداء والتجمُّل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
عبد الله سليمان الطليان ليس كل من مدَّ يده يريد، وليس كل من طلب أخذ. الاستجداء هو أن تنزل بحاجتك إلى درجة الانكسار المذل، أن تُظهر الفاقة أكثر مما هي، وأن تجعل من عوزك وسيلة لكسب التعاطف. أما التجمّل فأخلاق كريمة، وسلوك نبيل، أن تظهر بمظهر اللائق حتى لو كنت تمر بضائقة، أن تحافظ على كرامتك وأنت تعاني، أن تلبس ثوب العافية وإن كان جيبك خاوياً. قيل: «القناعة كنز لا يفنى»، ومن تجمَّل بقناعته فقد استغنى بأخلاقه قبل ماله. وليس التجمّل ترفاً، بل هو عنوان النفس الأبية التي تأبى أن يرى الناس جروحها. لقد اختلفت المفاهيم، وتغيرت الموازين. في الماضي، كان التجمّل في التواضع والبساطة والنظافة. أما اليوم، فأصبح التجمّل مرتبطاً بالعلامات التجارية، والمظهر المصنوع، والتباهي بما ليس عند الإنسان. صار البعض يستدين ليشتري وجهاً أمام الناس، وهنا يختلط الأمر: أين يبدأ التجمّل الحقيقي وأين ينتهي الرياء؟ يقول المثل: «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه». فمن عرف قدره لم يتكلف فوق طاقته، ولم يذل نفسه ليرضي عيون الخلق. التجمل الحقيقي أخلاق قبل أن يكون ملبساً، ولسان طلق ووجه بشوش خير من ثوب غالٍ وقلبٍ معتم. للأسف، في زمن المظاهر، يُساء فهم كثير من الناس. فالموظف صاحب الدخل البسيط الذي يحاول أن يُخرج أبناءه بمظهر لائق، أو يشتري ملابس متوسطة الثمن ليواكب المجتمع، قد يراه البعض متكلفاً أو مستجدياً. وهذا خلل في النظرة. الحقيقة أن صاحب النفس الطيبة لا يتصنع حاجة، ولا يمد يده للناس. قد يكون فقيراً مادياً لكنه غني بأخلاقه. وقد قال الشافعي رحمه الله: «لو شئت أن يتكلم الجاه لوجدته، ولو شئت أن يسكت العالم لوجدته». فلا تظن أن كل من لا يملك المال كثيراً لا يستحق أن يتجمل. المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة ليست غنى المال فقط، بل قوة النفس والإرادة. فمن تجمل فصبر على عوزه ولم يبسط يده للسؤال، فهو أعظم أجراً ممن يملك الملايين ويتصدق. الزمن تغير، لكن الأخلاق لا تتغير. نحن اليوم في عصر أصبح فيه المال هو القيمة العظمى، صار الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يقدم. فهذا حط من كرامة كثير من الناس، وأوقع آخرين في فخ الاستجداء المقنع. نصيحتي: تمسك بالتجمل الحقيقي. التجمل بالصدق والأمانة والعفة. لا تكن أسير المظاهر. لبس النظيف البسيط خير من الثمن الغالي الذي يُرهق ميزانيتك. والابتسامة الصادقة خير من الثياب البراقة. وكما قال أحد الحكماء: «أحسن الناس مظهراً من حُسن مخبره». أما إذا اضطررت للسؤال، فاسأل كريماً ولا تحرج نفسك. وخير السؤال ما كان بيدٍ خفية، وخير العطاء ما كان في الخفاء. قال الشاعر: لا تَستَجِدَّ بما تُعطي يَداً بِيَدٍ فالعِزُّ أَبقى وَماءُ الوَجهِ أَدوَمُهْ أخيرا بين الاستجداء والتجمل مسافة قصيرة، لكنها فارقة. الأولى تذل النفس، والثانية ترفعها. فاختر أن تكون كريماً مع نفسك قبل أن تكون كريماً مع الناس. واعلم أن الله يحب من عبده العفة والتجمّل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب من العبد أن يكون إذا خرج إلى إخوانه هيَّأ نفسه وتجمّل». وأنت صاحب الدخل البسيط، لا تشعر بالعار أبداً. أنت تُجاهد وتعمل وتحافظ على كرامتك. هذا هو العز الحقيقي. والتجمّل أخلاقك قبل مالك، ولسانك الطيب قبل طعامك، ودعاؤك قبل غناك.





