بيان الردة: حين يغسل الخونة عارهم بدم الضحايا.
كتب / حافظ الشجيفي :
أيها الغافلون في غمرة الوجع، المستمسكون بحبال الأوهام كلما عصفت بكم رياح الخديعة، قفوا مليا وانظروا في مرآة الحقيقة لتروا كيف تدار معارك التزييف على أشلاء طموحاتكم، وكيف ينسج الباطل ثيابا من الزور ليواري بها عورة الخيانة التي استشرت في مادة القوم وصارت دينا لمن لا دين له في الوطنية، فما تروه اليوم من صخب وضجيج حول ذلك البيان الصادر عن وفد الردة والانقلاب الجنوبي في الرياض ليس إلا فصلا من فصول المسرحية السمجة التي يراد بها استغفال وعيكم واسترهاب عقولكم، إذ يعمد شرذمة من السياسيين والإعلاميين والناشطين، ممن باعوا ضمائرهم في سوق النخاسة السياسية، إلى النفخ في كير هذا البيان المسموم، مبالغين في استعراض فحواه وتهويل محتواه، وكأنهم يزفون إليكم ملحمة تاريخية أو يفتحون لكم أبواب النصر المؤزر بكلمات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما الحقيقة الصارخة التي تنطق بها الوقائع تشير إلى أن هذا البيان ليس سوى محاولة يائسة لغسل العار الذي تلطخت به جباههم يوم خانوا الأمانة وانقلبوا على الكيان الذي ائتمنهم، فتلاعبوا بمصير شعب كامل واستهانوا بتضحيات الأبطال، مخلفين وراءهم شروخا غائرة في نسيج الوطن الواحد، ومشعلين نيران الفتن في البيت الجنوبي الذي كان يفترض بهم أن يكونوا حراسه لا هادميه.
فهؤلاء الذين يتباكون اليوم بدموع التماسيح على ما جرى في المكلا من إفراط في استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، ويدينون بلسان زنيم السلطات المعنية في حضرموت لسقوط الشهداء، هم أنفسهم الذين طعنوا الإرادة الشعبية في مقتل، وهم الذين يمارسون اليوم لعبة “قتل القتيل والمشي في جنازته” بمنتهى الوقاحة والصلف، إذ لم يعد خافيا على ذي بصيرة أن هذا التناغم بين القمع والبيان ليس إلا اتفاقا مبطنا غايته الالتفاف على وعي الجماهير، حيث تهيئ السلطات القامعة المجال لهؤلاء المرتدين ليصدروا بيانات الإدانة، فيبدو أمام الدهماء وكأنهم حماة الحق ولسان حال المظلومين، وما هم في حقيقة الأمر إلا شركاء في الجرم يتبادلون الأدوار لإحكام قبضة التضليل على العقول، فكيف يجرؤ من تسبب في تمزيق الصف وتشتيت الكلمة أن يتحدث عن حرمة الدم أو كرامة الإنسان، وهو الذي أهدر كل قيم الوفاء للتربة التي نشأ عليها، وصار أداة طيعة في يد من يريد السوء بهذا الشعب الأبي الذي لا يزال ينزف من طعناتهم الغادرة في خاصرته.
فالكرامة الوطنية ياشعب الجنوب ليست ثوبا يستعار، والشرف الذي أريق على مذابح المصالح الشخصية لا يرممه بيان إنشائي تافه ولا تمحوه عبارات التنديد التي تخرج من أفواه أدمنت الزيف، فهذه البيانات لا قيمة لها ولا أثر، ولا تملك القدرة على مداواة الجرح النازف أو استعادة الثقة التي تبخرت بمجرد أن اختار هؤلاء طريق الردة عن تطلعاتكم، وكل محاولات الترويج لهذا البيان بوصفه انتصارا هي محض افتراء يستهدف الاستمرار في الضحك على الذقون والاستهزاء بعقولكم التي خبرت معادن الرجال في الميادين، فجريمتهم في حق الوطن أكبر من أن تغتفر، وخيانتهم للأرض أعمق من أن يطويها ورق مسطر بكلمات منمقة، بل إن هذه البيانات تزيدهم خزيا وتلطخهم بالعار أكثر فأكثر، لأنها تصدر عمن افتقدوا الحياء وأضاعوا البوصلة، وصاروا يتخبطون في دياجير التآمر يبحثون عن مخرج يمنحهم مشروعية زائفة في أعين من ظلموهم.
نقول لهذا الوفد المرتد ومن شايعه من أبواق الزيف: احتفظوا ببياناتكم لأنفسكم، فهي لا تعنينا ولا تخصنا، بل إنها تسيء إلينا بمجرد صدورها عنكم، إذ كيف يقبل الحر نصيحة من باع داره، أو يصدق المكلوم رثاء من أعان على قتله، فالشعب الذي وعى الدرس جيدا لم يعد تنطلي عليه هذه الحيل المفضوحة، ولن يغفر لكم تلك الطعنة التي وجهتموها لآماله في لحظة فارقة من تاريخه، وستبقى أفعالكم شاهدة عليكم مهما حاولتم تنميق الأقوال أو اختلاق الانتصارات الوهمية، فالوطنية فعل لا قول، والوفاء تضحية لا متاجرة، وما أنتم إلا حثالة لفظها التاريخ وسيلفظها الواقع مهما حاولتم التشبث بأستار بيانات لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وستظل صرخة المظلومين في المكلا وفي كل شبر من أرض الجنوب لعنة تلاحقكم، فلا بيانكم يعيد شهيدا، ولا عويلكم يرمم وطنا، بل هو العار الذي لا يمحوه تقادم الزمان ولا تجمله بلاغة اللسان.



