🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
416377 مقال 251 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3107 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

بيان الحرب: «بالانتير» تشهر نفسها سلاحًا لـ«الحضارة الغربية»

تكنولوجيا
حبر
2026/05/03 - 09:50 504 مشاهدة

في الثامن عشر من نيسان الماضي، نشرت شركة «بالانتير» للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة على حسابها الرسمي في منصة «إكس» وثيقة من 22 نقطة هي ملخص كتاب «الجمهورية التكنولوجية» الذي شارك في تأليفه الرئيس التنفيذي للشركة أليكس كارب ورئيس الشؤون المؤسسية نيكولاس زاميسكا. الوثيقة، بمعايير أي شركة تكنولوجيا، استثنائية. إذ جاءت إيذانًا بنهاية مرحلة التستر وبدء مرحلة الإعلان عن مواقف سياسية في مسائل الجيش والهجرة والثقافة والدين والسياسة الخارجية الأميركية ودور وادي السيليكون في منظومة الحرب. النص في جوهره بيان سياسي بامتياز، يستحق القراءة باعتباره وثيقة أيديولوجية رقمية.

قراءة في البيان

تفتح الوثيقة بمقدمة تؤسس لمنطقها الكلي: «يدين وادي السيليكون بدَينٍ أخلاقي للبلد الذي أتاح صعوده، وعلى النخبة الهندسية فيه واجبٌ إيجابي بالمشاركة في الدفاع عن الأمة». التكنولوجيا في هذا الإطار التزام وطني يخضع لمنطق الدولة القومية ومتطلباتها الأمنية والعسكرية، تُجرّد من صفة النشاط الاقتصادي الحر. وما يلي هذه المقدمة سلسلة من المواقف المتصاعدة في جرأتها، تبدأ بنقد «طغيان التطبيقات» وتنتهي بالدعوة إلى إعادة التسليح وبناء أسلحة الذكاء الاصطناعي.

تقول النقطة الخامسة من الوثيقة إن السؤال المطروح انتقل من جدوى صناعة أسلحة الذكاء الاصطناعي إلى تحديد من سيصنعها ولأي غاية، مستندةً إلى أن «الخصوم لن يتوقفوا لينغمسوا في نقاشات استعراضية حول مزايا تطوير تقنيات ذات تطبيقات عسكرية وأمنية حاسمة». هذه الصياغة تُلغي أي إمكانية للنقاش الأخلاقي حول التسليح وتُقدّمه حتمية تاريخية. وهي صياغة مدروسة، تضع كل من يعترض على التسليح في خانة من «يُعيق» «الحضارة الغربية» أمام خصومها.

الجملة الأكثر استفزازًا في الوثيقة تتعلق بالتراتبية الحضارية، حيث يقول البيان: «بعض الثقافات أنجزت تقدمًا حيويًا، وثقافات أخرى ما زالت مختلة ومتراجعة». هذه الجملة، في وثيقة شركة تمتلك عقودًا مع عشرات الحكومات والجيوش حول العالم، تكسر العقد الضمني الذي التزمت به الشركات الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة: الفصل بين الأيديولوجيا والنشاط التجاري. وهي تندرج في منطق فكري كلي يجعل من «الحضارة الغربية» محور التاريخ وفريضة الدفاع عنها بأدوات القرن الحادي والعشرين.

حين تُصدر هذه الجملة عن شركة تمتلك أدوات الاستهداف والمراقبة، فهي تُعلن عن معيار تشغيلي: من تُصنّفه «رجعيًا ومؤذيًا» يصبح هدفًا مشروعًا.

تضمّنت الوثيقة أيضًا دعوة إلى الخدمة الوطنية الإلزامية، ونقدًا لما تسميه «القوة الناعمة» التي فشلت في مواجهة الخصوم، ودعوةً إلى إعادة التسليح الأوروبي بعد ما تصفه بالإفراط في نزع أسلحة ألمانيا واليابان بعد الحرب. ترسم هذه المواقف مجتمعةً صورة متكاملة لمشروع يرى في القوة الصلبة أساس النظام الدولي القادم المتصوّر وفي التكنولوجيا أداته الأولى.

ردود الفعل

جاءت ردود الفعل على الوثيقة سريعة وحادة من اتجاهات متعددة. وصف الفيلسوف البلجيكي مارك كوكيلبرغ، أستاذ فلسفة التكنولوجيا في جامعة «فيينا»، الوثيقة بأنها «نموذج على الفاشية التكنولوجية».

وكتب الاقتصادي اليوناني ووزير المالية السابق يانيس فاروفاكيس على منصة «إكس»: «لو كان الشر يُغرّد، لكان هذا ما سيكتبه».

وذهب فاروفاكيس إلى أبعد من ذلك في تحليله، قائلًا إن الوثيقة تُلخّص «أيديولوجيا بشعة في اثنتين وعشرين نقطة»، وإن بالانتير «تعمل بجد لتزويد مشاة البحرية الأميركية بروبوتات قاتلة تسلبهم ما تبقى لهم من قدرة على الحكم الأخلاقي في ميدان المعركة»، مضيفًا أن الشركة تسعى إلى جعل «المجتمع الأميركي عاجزًا تمامًا عن أي نقاش يقيّد قدرة بالانتير على حمل الجيش الأميركي على تنفيذ اختيارات برمجياتها في تحديد الأهداف».

يستحق توصيف فاروفاكيس التوقف عنده، لأنه يُضيء البُعد الأكثر خطورةً في الوثيقة: «بالانتير» تبني أسلحة ذكاء اصطناعي وتسعى في الوقت نفسه إلى إقصاء الحكم الإنساني من منظومة الاستهداف كليًا. بهذا المعنى، فإن الوثيقة مشروع لنقل السلطة من الإنسان إلى الخوارزمية.

على الصعيد التشريعي، أثارت الوثيقة تساؤلات من عدد من أعضاء البرلمان البريطاني حول عقود بريطانيا مع الشركة. ووصف النائب الليبرالي الديمقراطي مارتن ريغلي، العضو في لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس العموم، الوثيقة بأنها «إما محاكاة ساخرة لفيلم روبو-كَب أو ثرثرة نرجسية مزعجة من منظمة متغطرسة».

تلتقي ردود الفعل هذه، المتباينة في مرجعياتها الفكرية والسياسية، في نقطة واحدة: الوثيقة تجاوزت الخطوط التي كانت ترسمها الشركات لخطابها العام. والتجاوز نفسه يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصراحة؟

من هي «بالانتير»؟

قراءة بيان بالانتير بمعزل عن سياق الشركة ونشأتها وعقودها ضرب من الاختزال المُخلّ. أسّس الشركة عام 2003 المستثمر بيتر ثيل والرئيس التنفيذي أليكس كارب، بدعم من «إن-كيو-تيل»، الذراع الاستثمارية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، وبنت نشاطها الأول على العمل الاستخباراتي في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول. هذا النَسب المؤسسي مفتاح لفهم طبيعة الشركة: فمنذ نشأتها هي ذراع تكنولوجية للدولة الأمنية الأميركية، لا شركة تكنولوجيا قرّرت لاحقًا دخول قطاع الصناعة الحربية.

في منتصف 2025، أبرمت الشركة اتفاقية مؤسسية مع الجيش الأميركي تُقدَّر قيمتها بعشرة مليارات دولار على مدى عقد، تجمع 75 عقدًا سابقًا في عقد واحد. وتضاعفت قيمة عقودها الفيدرالية تقريبًا بين 2024 و2025، من 541 مليون دولار إلى 970 مليون دولار، مدفوعةً بتوسع العمل مع إدارة الهجرة والجمارك (ICE) ووزارة الأمن الداخلي. هذا التوسع في عقود الهجرة يربط الشركة مباشرةً بسياسات الترحيل الجماعي التي تنفّذها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ويجعل الوثيقة السياسية امتدادًا طبيعيًا لمسار تجاري واضح.

وفق ما أوردته سيرة ذاتية عن كارب نشرها الصحافي في «النيويورك تايمز» مايكل شتاينبرغر عام 2025، فقد استُخدمت برمجيات «بالانتير» في عملية الهجوم بأجهزة النداء في لبنان في أيلول 2024 التي أدت لاستشهاد 42 شخصًا وأصابت الآلاف. وخلص تقرير أممي أصدرته المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيز في تموز 2025 إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن «بالانتير» وفّرت «تقنية تنبؤية آلية للمراقبة» و«تكاملًا فوريًا لبيانات ميدان المعركة لاتخاذ قرارات آلية» خلال الحرب على غزة.

هذه المعطيات تجعل الوثيقة التي نشرتها الشركة أكثر من بيان أيديولوجي. إذ تصدر عن جهة فاعلة في منظومة الحرب الفعلية، تمتلك أدواتها وعقودها ومواردها، وتُعلن الآن عن إطارها الفكري بشكل لا سابق له.

الشركة والسوق: تناقض هيكلي

ثمة بُعد اقتصادي في هذه المعادلة يستحق التوقف عنده. أعلنت «بالانتير» عن إيرادات إجمالية بلغت 4.5 مليار دولار للسنة المالية 2025، بارتفاع 56% عن العام السابق، ونمو في الإيرادات التجارية الأميركية بنسبة 137% في الربع الرابع. وجاء البيان في اللحظة التي يعتمد فيها مسار إيرادات الشركة على ديمومة النظام السياسي الذي تدعو إليه الوثيقة وتوسّعه. وكان رد فعل السوق فوريًا، إذ تراجعت الأسهم يوم الاثنين 20 نيسان 2026، في ظل مخاوف المتداولين من «مخاطر السمعة والتدقيق السياسي» المرتبطة بالتوجه الأيديولوجي للشركة.

هذا التناقض بين الجرأة الأيديولوجية وتراجع السهم يُضيء أحد الأبعاد الجوهرية في فهم الوثيقة: «بالانتير» تخاطب جمهورين في الوقت نفسه. جمهور أيديولوجي تريد استقطابه إلى مشروعها الفكري، وجمهور تجاري تربطه بها عقود وأسهم ومصالح. التوتر بين هذين الجمهورين يُفسّر كثيرًا من تناقضات الوثيقة: شركة ترفع شعار الخير المشترك والواجب الوطني وهي في الوقت نفسه من أضخم تجمعات رأس المال الخاص في قطاع الأمن والاستخبارات.

فاروفاكيس، الذي بنى تحليله الاقتصادي على مفهوم «الإقطاع التكنولوجي» (Technofeudalism)، يرى في «بالانتير» نموذجًا صارخًا لهذا الإقطاع: شركة تستخلص قيمتها من البيانات التي يُنتجها الآخرون، وتبيع هذه القيمة لمن يمتلك القوة القسرية، وتطالب في الوقت نفسه بشرعية أخلاقية مستمدة من خطاب الدفاع عن «الحضارة». المشروع الأيديولوجي والمشروع التجاري وجهان لعملة واحدة: كلما توسّع النظام السياسي الذي تدعو إليه الوثيقة، توسّعت عقود الشركة وارتفعت إيراداتها.

حين تُعلن الشركة عن نفسها

السؤال الذي تطرحه الوثيقة بصورة أعمق من مضامينها: لماذا الآن؟ شركة تعمل في الظل منذ 2003، تمتلك عقودًا استخباراتية وعسكرية ضخمة، وتُنجز مهامها بعيدًا عن الضوء، تختار فجأة الخروج من الظل والإعلان عن أيديولوجيا صريحة وشاملة.

الإجابة تكمن في السياق السياسي الراهن. نشرت «بالانتير» وثيقتها في لحظة تواجه فيها انتقادات عالمية واسعة بسبب دعمها لسياسات الترحيل في إدارة ترامب وتورطها في حرب الإبادة في غزة والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. اختيار هذه اللحظة للإعلان عن الأيديولوجيا موقف استراتيجي: الشركة تختار الهجوم على الدفاع، وتُقدّم نفسها فاعلًا أيديولوجيًا واعيًا بشكل أكبر من مجرد مزود خدمات تقني يتلقى الأوامر.

ثمة قراءة أعمق تقول إن الإعلان نفسه هو الرسالة. حين تُعلن شركة بحجم «بالانتير» وبعقودها وقدراتها عن أيديولوجيا تراتبية حضارية بهذا الوضوح، فهي ترسل إشارة إلى شركاء محتملين في قطاع التكنولوجيا الدفاعية: هذا هو الإطار الفكري الذي تعمل داخله، ومن يريد الانضمام إلى المشروع يعرف مسبقًا ما يوافق عليه. الوثيقة في هذا المعنى وثيقة تحالف في المقام الأول.

المنطقة العربية: الهدف والمادة الخام

ما يجعل بيان «بالانتير» ذا أهمية استثنائية للقارئ العربي أن المنطقة العربية تقع في مركز هذا المشروع باعتبارها هدفًا تطبيقيًا وموضوع بحث وتحليل في آنٍ واحد. تقنيات الشركة الموثّقة في منظومة الاستهداف العسكري تعمل في ميادين تمس المنطقة مباشرة. وأيديولوجيا التراتبية الحضارية التي تتبناها الوثيقة، تلك التي ترى أن بعض الثقافات «رجعية ومؤذية»، هي الإطار المفاهيمي الذي تعمل داخله تلك التقنيات.

استُخدمت برمجيات «بالانتير» في لبنان وغزة وإيران. وهذا يعني أن الوثيقة التي تتحدث عن «الدفاع عن الحضارة الغربية» و«الثقافات الرجعية والمؤذية» تصدر عن شركة تملك قدرات عملياتية فعلية في المنطقة. والتراتبية الحضارية التي تُعلن عنها الوثيقة تحدد من يُستهدف ومن يُحمى.

ثمة بُعد إضافي يتعلق بطبيعة البيانات التي تشتغل عليها «بالانتير». نماذج الذكاء الاصطناعي التي تبنيها الشركة تحتاج إلى بيانات هائلة لتدريبها وتحسينها. بيانات المنطقة العربية، سواء أكانت استخباراتية أم اجتماعية أم سلوكية، تُغذّي هذه النماذج وتُحسّنها. المستخدم العربي على منصات التواصل والمراقب والمقاتل الذي ترصده الأقمار الاصطناعية، كلهم يُنتجون بيانات تصبح جزءًا من التدريب الذي يجعل هذه الأنظمة أكثر دقةً في استهداف من يشبههم لاحقًا.

خصخصة قرار القتل

ما تطرحه «بالانتير» في جوهره مشروع نقل السلطة العسكرية من الدولة إلى الشركة. الدولة تملك تقليديًا احتكار العنف المشروع، وهذا الاحتكار أساس السيادة في الفكر السياسي الحديث. تخترق «بالانتير» هذا الاحتكار من الداخل: تبقى الدولة واجهةً قانونيةً وشرعيةً، والشركة تمتلك فعليًا مفاتيح منظومة الاستهداف والقرار. خصخصة الحرب ظاهرة قديمة، وشركات المرتزقة موجودة منذ قرون. الجديد هنا أن الشركة تُقرّر من يُقتل. والفارق الجوهري بين المرتزق والخوارزمية أن المرتزق يحمل مسؤوليةً ما أمام القانون والضمير، والخوارزمية لا تُسأل ولا تُحاكَم. والوثيقة المنشورة تُضفي على هذا المشروع شرعيةً أيديولوجية: حين تُقدّم الشركة نفسها حارسةً لـ«الحضارة الغربية»، تُحوّل قرار القتل من فعل سياسي خاضع للمساءلة إلى فريضة حضارية فوق المساءلة.

ولا يخفى أن ذلك كله تعبير عن الرأسمالية المتأخرة في أكثر أشكالها وضوحًا: نظام يجمع رأس المال التكنولوجي بقوة الدولة وبمنظومة قيمية تضع الحضارة والهوية في خدمة السوق والهيمنة. وما قاله فاروفاكيس في وصف الوثيقة بأنها تسعى إلى بناء عالم «تكون فيه الأخلاق للسذّج» يُلخّص جوهر المشروع: منظومة تُزيح الحكم الإنساني والاعتبار الأخلاقي من القرار العسكري وتستبدلهما بخوارزمية تُحدد الأهداف وفق معايير لا يراها أحد ولا يُسأل عنها أحد.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE

Free 1GB Internet Worldwide

Download EasySIM — instant eSIM activation in 190+ countries 🌍