بريطانيا في مواجهة المجهول: الاقتصاد يُسقط ستارمر
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لم يكن رحيل كير ستارمر عن رئاسة الحكومة البريطانية مجرد حدثٍ سياسي عابر، بل جاء تتويجاً لمسلسل طويل من الإخفاقات الاقتصادية ومراكمة السخط الشعبي. فبعد نحو عام واحد على توليه منصب رئاسة الوزراء في يوليو 2024، أجبر ستارمر على الاستقالة تحت وطأة ضغوط متصاعدة من داخل حزبه نفسه، ليُسجَّل بذلك رابعاً في قائمة رؤساء الوزراء الذين تركوا منصبهم خلال أربع سنوات فحسب، والسادس في عقد واحد — وهو معدل تغيير لم تشهده بريطانيا منذ ما يزيد على مئتي عام. يضاف إلى ذلك مشهد اقتصادي قاتم: نحو 45 ألف شركة أعلنت إفلاسها منذ تولّيه الحكم، وارتفاع شهري في الديون بلغ 29 مليار دولار، وفرار نحو 16 ألف وخمسمائة ثري من البلاد خلال العام الماضي وحده، فضلاً عن مليون وثمانمائة ألف عاطل عن العمل تعتقل أحلامهم أروقة مراكز التوظيف. في خضمّ هذا الواقع، استضاف برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية الباحث السياسي والاقتصادي وجدان عبد الرحمن، الذي قدّم قراءةً معمّقة وشاملة في تداعيات هذا الزلزال السياسي وأبعاده. الاقتصاد أولاً: فرص العمل والجيب في صدارة المشهد يقرأ وجدان عبد الرحمن جذر الأزمة بوضوح: المواطن البريطاني كان يترقب هذه الاستقالة منذ أمد بعيد، في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة التي تثقل كاهله يوماً بعد يوم. ويُحدّد الباحث سلّم أولويات الناخب البريطاني بدقة، إذ يرى أن ما يهمه فعلاً ثلاثة محاور لا يحيد عنها: جيبه أولاً، وفرص العمل ثانياً، ثم الصحة والإسكان. وفي هذا السياق، يُجمل عبد الرحمن الصورة بمنطق محكم: التغييرات المتسارعة في قيادة الحكومة البريطانية لم تكن يوماً نزوةً سياسية، بل هي في مجملها — وفق تحليله — انعكاس مباشر لعجز الحكومات المتعاقبة عن الاستجابة لمطالب الشارع وحلّ الأزمتين الاقتصادية والمعيشية اللتين تطحنان حياة المواطن العادي. شاهد على الديمقراطية: الاستقالة دليلٌ لا وصمة يرى وجدان عبد الرحمن أن المواطن البريطاني كان "يرحب بهذه الاستقالة"، وفق تعبيره. غير أن ما يراه الباحث "لافتاً" حقاً في هذا الحدث ليس مجرد سقوط حكومة، بل الدلالة التي يحملها على "مدى الديمقراطية الفعلية في البلاد"، على حد وصفه. فحين يتعرض رئيس وزراء، كما يقول عبد الرحمن، "إلى ضغوط أو مطالبة من قبل الحكومة وحتى من قبل الشارع يستجيب بكل ارياحية ويتم ذلك". ويلفت الباحث إلى أن ستارمر "كان له دور كبير في صعود حزب العمال البريطانية"، إذ "استطاع أن يُخرج الحزب العمال من اليسار المتشدد إلى اليسار الوسطي"، وهو ما مكّنه لاحقاً، وفق عبد الرحمن، من أن "ينجح في الانتخابات". أزمة مزدوجة: الداخل يشتعل والخارج يُعقّد المشهد يوسّع وجدان عبد الرحمن دائرة تشخيصه ليشمل بُعداً مزدوجاً في تفسير سقوط ستارمر. فثمة أزمة داخلية طاحنة متعددة الوجوه تضم ملفات العمل والإسكان والصحة والأمن، وهي ملفات كان ستارمر قد وعد معالجتها صراحةً خلال حملته الانتخابية. ويُذكّر الباحث بأن أحد مسوّغات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) كان تخصيص الأموال المُوفَّرة لتعزيز قطاع الصحة — وهو وعد بقي حبراً على ورق. وعلى الصعيد الاقتصادي بالتحديد، يُحمّل الباحث ستارمر مسؤولية مضاعفة الأزمة لا تخفيفها؛ إذ لم يكتفِ بالعجز عن الوفاء بوعوده، بل كانت سياساته الضريبية المعدَّلة الدافع المباشر وراء موجة هجرة الأثرياء ورجال الأعمال، مما ضيّق على الاقتصاد البريطاني المنافذ وعمّق غياب الثقة في المستقبل. أما البُعد الخارجي، فيُقرّ به عبد الرحمن لكنه يُنزّله في المرتبة الثانية من حيث الأثر على المواطن. ويتناول بالتفصيل ملف علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن ستارمر كان قد توصّل إلى حلول وسطية مع دول الاتحاد بشأن ملفات حسّاسة كالصيد البحري والمياه الإقليمية والتجارة والأمن، معتبراً أن خروجه سيُلقي بظلاله السلبية على هذه العلاقات التي بناها بجهد. التوترات الإقليمية والعلاقة مع واشنطن: روسيا وترامب في المعادلة يستحضر وجدان عبد الرحمن التنافس البريطاني الروسي بوصفه إرثاً تاريخياً متجذّراً يسبق بكثير الأزمة الأوكرانية، متتبعاً جذوره منذ الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الإطار، يفسّر الانخراط البريطاني المكثّف في الأزمة الأوكرانية بوصفه نتاجاً طبيعياً لهذا الخلاف القديم المتجدد، إلى جانب مخاوف من تمدد النفوذ الروسي باتجاه دول أوروبا الشرقية. وعلى صعيد العلاقة مع واشنطن، يرصد الباحث توتراً واضحاً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وستارمر، مُعزّياً إياه إلى ما وصفه ترامب من أن تيار اليسار يُعطي الأولوية لقضايا الهجرة على حساب الاقتصاد الوطني. وقد أشار ترامب ضمنياً إلى رغبته في رحيل ستارمر قبل أن يتحقق ذلك فعلاً. فاراج يترقّب وأوروبا تقلق: مرحلة جديدة من الغموض يتوقف وجدان عبد الرحمن عند المشهد الاستراتيجي اللاحق، مُشيراً إلى أن نايجل فاراج مرشحٌ لملء الفراغ السياسي الذي خلّفه ستارمر، مستنداً في ذلك إلى الخطاب الشعبوي الذي يُتقنه فاراج ويجد صدىً واسعاً عند قطاعات واسعة من المواطنين. ويلفت الباحث إلى أن فاراج يُركّز على الملفات الأكثر إلحاحاً عند الناخب البريطاني: الاقتصاد والأمن والهجرة — وهي بالضبط الملفات التي أخفق ستارمر في معالجتها. وفي المقابل، يرى عبد الرحمن أن دول الاتحاد الأوروبي تنظر باستياء واضح إلى هذا التطور، إذ إن العلاقات التي شيّدها ستارمر بصبر مع الشركاء الأوروبيين ستتآكل تدريجياً، وكذلك دعم أوكرانيا الذي قد يتراجع، في حين ستتحوّل الحسابات البريطانية نحو محور واشنطن بدلاً من بروكسل. بيزنس مع لبنىBusiness مع لبنىالاقتصاد مع لبنىبريطانياستارمركير ستارمرحكومة ستارمرالمصدر: سكاي نيوز عربية - اقتصاد | Source: سكاي نيوز عربية - اقتصاد
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سكاي نيوز عربية - اقتصاد. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سكاي نيوز عربية - اقتصاد. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




